سنن التنزيل
مقال

الساعة… أخفى الله موعدها وأبقى لك السعي

  • 4 دقائق للقراءة
  • 13 آيةً

موعد الساعة استأثر الله بعلمه ليحرر الإنسان من فتنة التخمين، موجهاً طاقته نحو الصلاة والسعي الصالح الذي يثبت القلب ويصنع النجاة قبل فوات الأوان.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ۝ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ ۝ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ﴾ [طه: 14-16].

في أول الوحي إلى موسى عليه السلام، وقبل أن يُؤمر بالذهاب إلى فرعون، وضع الله في قلبه أصول الطريق:

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ [طه: 14]: معرفة بالله.

﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: 14]: توحيد.

﴿فَاعْبُدْنِي﴾: عبادة.

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]: صلة تحفظ القلب.

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: 15]: يقين بالآخرة.

﴿لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: 15]: مسؤولية وعمل.

ثم التحذير:

﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ﴾ [طه: 16].

إنه بناء متكامل: توحيد، وعبادة، وصلاة، ويقين بالساعة، وسعي لها، وحذر من الغفلة والهوى.

وكان موسى عليه السلام مقبلًا على مواجهة طاغية يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]، فثبّت الله في قلبه أولًا: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ [طه: 14].

وسيقف أمام فرعون الذي بدا متمكنًا في الأرض، فذكّره الله بأن وراء هذه الحياة ساعة آتية، يظهر فيها للخلائق أن الملك لله الواحد القهار، وتُجزى كل نفس بما سعت.

فالذي يستحضر الآخرة لا يخدعه انتفاخ الباطل، ولا يظن أن ما يراه أمامه هو نهاية القصة.

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: 15].

ليست احتمالًا، ولا خبرًا يقبل الشك. وقوعها يقين، وإن خفي موعدها:

﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: 15].

بلغ إخفاء وقتها غايته، فلم يُطلع الله عليه أحدًا من خلقه. فلا يملك إنسان أن يحدد متى تقوم الساعة، وكل من وضع لها تاريخًا فقد تكلم فيما استأثر الله بعلمه.

لكن إخفاء الموعد لا يعني إخفاء الحقيقة؛ فقد أخفى الله متى تأتي، وأعلن أنها آتية، وأخبر بقربها:

﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1].

وقال:

﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18].

الأشراط توقظ القلب، لكنها لا تكشف التوقيت. ومن الخطأ أن تتحول إلى باب للتخمين، فنربط كل حرب أو زلزال بموعد، وننشغل بالحسابات عن الاستعداد.

فالله لم يكلفنا أن نضع للساعة تاريخًا، وإنما كلفنا أن نعد لها عملًا.

ولنتأمل موقع الصلاة في هذا البناء:

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ۝ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: 14–15].

كأن الصلاة موعد ظاهر متكرر، يهيئ القلب للموعد الغائب الذي لا يعرف متى يأتي.

يقف الإنسان كل يوم بين يدي الله، حتى لا ينسى الوقوف الأكبر. ويقطع انشغاله بالدنيا مرات، حتى لا تستغرقه الدنيا وينسى الآخرة.

والصلاة تحفظ اتجاه السعي؛ حتى لا يتحرك الإنسان كثيرًا في الطريق الخطأ، ثم يكتشف عند الجزاء أن ما ملأ عمره لم يقربه من الله.

وقد يعرف الإنسان كثيرًا عن أشراط الساعة، ثم يضيع الصلاة التي أمر الله بها قبل أن يذكر الساعة. ومعرفة الأشراط لا تغني عن الاستعداد؛ فقد يكون المرء واسع المعرفة بعلاماتها، بعيدًا عن العمل لها.

ولذلك حين سأل الناس نبينا محمدًا ﷺ عن الساعة:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: 42].

جاء الجواب:

﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ۝ إِلَىٰ رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ۝ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 42-45].

أعاد القرآن توجيه السؤال من موعد لا يملكه الإنسان إلى عمل يملكه.

بدل أن تسأل: متى تأتي؟

اسأل: ماذا أعددت لها؟

﴿لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: 15].

لم يقل: بما تمنت، ولا بما ادعت، وإنما: ﴿بِمَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: 15].

وكل سعي محفوظ، خيرًا كان أو شرًّا؛ أما السعي الذي يرجو صاحبه ثواب الله، فلا بد أن يكون خالصًا له، موافقًا لهديه.

وستأتي كل نفس وحدها؛ لا ينفعها اسم أسرة، ولا انتماء إلى جماعة، ولا مكانة بين الناس، ولا صورة صنعتها لنفسها:

﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ [طه: 15].

وسيكون الجزاء بما سعت، لا بما ظن الناس أنها سعت.

فموعد الساعة خفي عنا، أما سعينا فلا يخفى على الله. قد يجهل الناس خيرًا أخفيته، وقد يمدحون عملًا لم تخلص فيه، لكن شيئًا لا يلتبس في ميزان الله.

والمؤمن مأمور بالسعي الصحيح، لا بضمان النتائج التي ليست في يده. قد يقاوم باطلًا فلا يشهد زواله، ويزرع خيرًا ثم يمضي قبل أن يرى ثمرته، لكن سعيه الصادق الموافق لهدى الله لا يضيع.

ثم يأتي التحذير:

﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ [طه: 16].

فالخطر ليس أن نجهل موعد الساعة؛ فجميع الخلق يجهلونه، وإنما أن نعيش كأنها لن تأتي.

وقد لا يقول الصادّ لك: لا تؤمن بالآخرة، لكنه يشغلك حتى تعيش كأنها غير موجودة.

مال يُجمع بلا سؤال عن حله، وشهوة تُتبع بلا حدود، وظلم يقع بلا خوف من حساب، وانشغال دائم لا يترك للصلاة والقرآن والتوبة موضعًا.

وقد جمعت الآية بين عدم الإيمان بالساعة واتباع الهوى:

﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [طه: 16].

فحين يغيب الحساب عن القلب، يقترب الهوى من مقعد القيادة، وإذا صار الهوى قائدًا، كانت العاقبة:

﴿فَتَرْدَىٰ﴾.

أما المؤمنون فيعلمون أن الساعة حق، فتثمر معرفتهم عملًا:

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: 18].

وهذا الإشفاق لا يشلهم، بل يحركهم:

﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ۝ أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 60-61].

فالخشية القرآنية لا تُقعد الإنسان، بل تدفعه إلى المسارعة. يعمل ولا يغتر، ويطيع ولا يمنّ بطاعته، ويرجو رحمة الله دون أن يجعل الرجاء ذريعة إلى التقصير.

وهكذا يتوازن القلب بين رحمة تمنع اليأس، وخشية تمنع الاغترار، وسعي لا يتوقف حتى يأتي اليقين.

ختامًا، أخفى الله عنا موعد الساعة، لكنه لم يخف عنا طريق الاستعداد لها: توحيد، وصلاة، وسعي صالح، وتوبة، ورد للحقوق، وحذر من الغفلة والهوى.

فلا تجعل الساعة مادة للجدل، ولا الأشراط بابًا للتخمين، ولا الخوف سببًا لليأس.

أقم صلاتك، ورد المظالم، وأصلح ما أفسدت، وأدِّ ما عليك، وسارع في الخير، ولا تنتظر علامة جديدة حتى تبدأ.

ولا تشغل عمرك بسؤال لم يجعل الله جوابه إليك، وتنسَ السؤال الذي جعله في يدك:

ماذا تسعى قبل أن تأتي؟

فالخبر الذي يكفي لإيقاظ القلب قد جاء:

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: 15].

شارك المقال