سورة عبس… حين يسقط وهم الاستغناء
وهم الاستغناء يفسد موازين البشر، فتعيد سورة عبس بناء مقاييس التفاضل بتذكير الإنسان بفقره الكامل لربه وجعل خشية القلب معيار القيمة بدلاً من الجاه الدنيوي.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
سورة عبس… حين يسقط وهم الاستغناء
تبدأ سورة عبس بموقف صغير في ظاهره، لكنه يفتح بابًا كبيرًا لإعادة بناء موازين الإنسان.
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ [عبس: 1–2].
كان النبي ﷺ منشغلًا بدعوة نفر من وجوه قريش، يرجو إسلامهم وما قد يترتب عليه من نفع للدعوة، فجاءه عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه، وكان أعمى، يطلب أن يتعلم مما علمه الله.
لم يكن النبي ﷺ مشغولًا بدنيا، ولا طالبًا لجاه أولئك القوم، وإنما كان يحمل هم الدعوة ويرجو لها بابًا واسعًا، فجاء التصحيح من السماء لا للنية، وإنما للميزان والأولوية:
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ﴾ [عبس: 3–4].
فالإنسان الذي قد يبدو في حسابات الدنيا قليل الأثر قد يكون قلبه عند الله مستعدًا لأن يحمل نورًا عظيمًا.
والإنسان الذي يبدو في حساباتنا مفتاحًا كبيرًا قد يكون قلبه مغلقًا لا يريد أن يدخل منه شيء.
ولهذا وضعت السورة النموذجين متقابلين:
لم تقل السورة: أما الغني وأما الفقير.
ولم تجعل الميزان مالًا أو نسبًا أو مكانة اجتماعية.
قالت:
﴿اسْتَغْنَىٰ﴾.
وفي المقابل:
﴿جَاءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ﴾ [عبس: 8–9].
فالمشكلة ليست أن يملك الإنسان، وإنما أن يشعر أنه لا يحتاج.
والفضيلة ليست في الضعف أو الفقر بذاتهما، وإنما في قلب يعرف حاجته إلى الله ويقبل على هداه.
وهنا يتصل ختام النازعات ببداية عبس اتصالًا بديعًا.
قال الله لموسى عليه السلام في شأن فرعون:
﴿هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾ [النازعات: 18–19].
لكن فرعون:
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: 22].
ثم تنتهي النازعات:
﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 45].
وتأتي عبس فإذا برجل آخر:
﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ﴾ [عبس: 3].
فرعون أدبر يسعى، وهذا الرجل جاء يسعى.
كلاهما يسعى، ولكن شتان بين السعيين.
فالسعي لا يوزن بسرعته ولا بكثرة الحركة فيه، وإنما بوجهته.
كم من إنسان يملأ الدنيا حركة وهو يبتعد عن الله، وكم من إنسان لا يلتفت إليه الناس وهو يسير بقلبه إلى الله.
ثم تأتي كلمة حاسمة:
﴿كَلَّا﴾.
ليتوقف هذا الميزان.
الوحي لا يستمد كرامته من مكانة من يقبله.
هو مكرم في أصله:
﴿صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: 13].
وحملته:
فالقرآن لا يحتاج إلى صاحب جاه حتى يصبح عظيمًا، وإنما صاحب الجاه هو المحتاج إلى القرآن حتى يهتدي.
ومن هنا يتغير ميزان الدعوة كله.
لسنا مطالبين أن نجعل الحق تابعًا لأوزان الناس، ولا أن نهمل قلبًا صادقًا لأن صاحبه لا يملك منصبًا أو مالًا أو جمهورًا.
فالقلوب لا توزن بما حول أصحابها، وإنما باستعدادها للتذكرة.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ﴾ [عبس: 4].
ثم:
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: 11–12].
وهنا تبدأ السورة نفسها تمارس وظيفة التذكرة.
فإذا كان مرض الإنسان هو الاستغناء، فإن علاجه أن يتذكر من هو.
أيها الإنسان الذي يتوهم الاستغناء، ارجع إلى أول القصة.
لم تبدأ قويًا.
ولم تبدأ غنيًا.
ولم تبدأ مشهورًا.
ولم تبدأ مالكًا لشيء.
بدأت نطفة.
﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: 19].
ثم مضت حياتك كلها تحت تدبير ربك:
خلقه.
فقدره.
ويسر له السبيل.
ثم أماته.
فأقبره.
ثم إذا شاء أنشره.
من البداية إلى النهاية، أنت عبد تحت تدبير ربك.
حتى القبر الذي تدخل إليه لا تهيئه لنفسك بعد موتك، وإنما جعل الله لك من يواريك فيه.
ثم لا تملك أن تعيد نفسك إلى الحياة:
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس: 22].
فأين موضع الاستغناء؟
ثم تأتي المحاسبة:
﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: 23].
وهنا تظهر مفارقة تهز القلب.
الله خلقك.
وقدرك.
ويسر لك.
وأماتك.
وأقبرك.
وسينشرك.
ثم يسأل الإنسان عن جانبه من هذه العلاقة:
هل قضى ما أمره الله؟
إن حياة الإنسان تقع بين تقدير رباني لا يملكه، وأمر رباني هو مسؤول عن موقفه منه.
﴿فَقَدَّرَهُ﴾.
ثم:
فلا يكفي أن تعيش داخل نعم الله، بل السؤال: ماذا صنعت بأمر الله؟
ثم تنتقل السورة من أصل الإنسان إلى شيء يراه كل يوم:
﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾ [عبس: 24].
إن كنت قد نسيت نطفتك، فانظر إلى لقمتك.
لم تأمرك الآية هنا أن تبحث عن شيء بعيد، بل أن تنظر إلى ما تضعه أمامك كل يوم.
لكن القرآن لا يسمح لك أن تقف عند الطبق.
يأخذك إلى الوراء، إلى الرحلة التي سبقت وصول الطعام إليك:
أنت ترى الطعام جاهزًا.
لكن وراءه ماء صُب.
وأرض شُقت.
ونبات أُنبت.
وحب وعنب وزيتون ونخل وحدائق وفاكهة ومرعى.
فالنعمة التي تصل إليك في آخر الطريق سبقها من تدبير الله ما لم تره.
وهنا يعلمنا القرآن أدبًا عظيمًا في النظر إلى النعم:
لا تقف عند آخر حلقة من النعمة، بل ارجع بقلبك في أسبابها حتى تصل إلى المنعم.
نرى الطعام وننسى المطر.
ونرى الثمرة وننسى الأرض.
ونرى الرزق وننسى من ساق أسبابه.
ونرى ما في أيدينا حتى نظن أننا صنعناه وحدنا.
ولهذا جاء الأمر:
﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ﴾ [عبس: 24].
فليست المشكلة دائمًا أن النعمة قليلة، وإنما قد تكون المشكلة أن النظر إليها ضعيف.
ومن اللطائف التدبرية أن السورة بدأت برجل وصفه القرآن بأنه:
﴿الْأَعْمَىٰ﴾.
ثم قالت للإنسان المبصر:
﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ﴾ [عبس: 24].
فقد يفقد الإنسان بصر العين ولا يفقد بصيرة القلب، وقد يملك عينين مفتوحتين ويمر على نعم الله كل يوم دون أن يراها رؤية اعتبار.
ذلك الأعمى جاء:
﴿يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ﴾ [عبس: 9].
فليست قيمة الإنسان فيما تراه العين من صورته، وإنما فيما يحمله القلب من خشية واستعداد للهداية.
ثم تلفت السورة إلى معنى آخر.
قال الله بعد تعداد الطعام:
﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 32].
فالإنسان والأنعام يشتركون في نصيب من متاع الأرض.
لكن الإنسان لم يُخلق ليكون همه أن يأكل فقط.
لقد أعطي التذكرة.
وأعطي القدرة على النظر والاعتبار.
وكُلِّف:
فالطعام نعمة، ولكنه ليس غاية الإنسان.
وهنا يتكرر جسر عجيب مع سورة النازعات.
هناك:
وهنا:
﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: 32–33].
في سورتين متتاليتين:
متاع… ثم فإذا جاءت القيامة.
كأن القرآن لا يريد للقلب أن يستقر طويلًا داخل المتاع.
خذ منه ما أباح الله.
وانتفع به.
واشكر عليه.
ولكن لا تتعامل معه وكأنه إقامة دائمة.
فبعد المتاع:
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: 33].
الصوت الذي تصخ له الأسماع، وتدخل معه البشرية طورًا آخر.
وهنا يبلغ خيط التذكرة غايته.
في أول السورة:
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ﴾ [عبس: 4].
ثم:
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: 11–12].
ثم تأتي:
﴿الصَّاخَّةُ﴾.
فالتذكرة اليوم تعرض عليك الحق وأنت في زمن الاختيار.
أما الصاخة فليست خبرًا ستناقشه، وإنما واقع ستدخله.
اسمع التذكرة اليوم قبل أن تسمع الصاخة غدًا.
ثم تسقط السورة آخر أوهام الاستغناء.
قد يستغني الإنسان بماله.
وقد يستغني بجاهه.
وقد يستغني بعشيرته وأهله وأولاده.
لكن:
الأخ.
والأم.
والأب.
والزوجة.
والأبناء.
دوائر القرابة كلها تتراجع أمام هول الموقف.
ليس لأن هذه الروابط كانت بلا قيمة، وإنما لأن ذلك اليوم أكبر من قدرة الإنسان على حمل شأن غيره.
وهنا تعود كلمة من أول السورة بصورة مدهشة.
في البداية:
﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ﴾ [عبس: 5].
وفي النهاية:
استغنى عن التذكرة يوم كانت تنفعه.
ثم جاء يوم أغناه شأن نفسه عن أقرب الناس إليه.
في الدنيا كان الاستغناء وهمًا صنعه الكبر.
وفي الآخرة يصبح الانشغال بالنفس حقيقة لا يستطيع الهرب منها.
ثم تنتهي السورة بالوجوه:
وهنا تغلق السورة دائرتها.
بدأت:
﴿عَبَسَ﴾.
والعبوس أثر يظهر على الوجه.
وانتهت:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [عبس: 38].
بدأت بحركة عابرة على وجه في الدنيا، وانتهت بحقيقة المصير ظاهرة على وجوه البشر في الآخرة.
في الدنيا قد تخدعنا الوجوه.
قد نرى صاحب مال وجاه فنعظم وزنه.
وقد نرى ضعيفًا لا يملك شيئًا فنحسب أن أثره قليل.
لكن الله ينظر إلى ما وراء هذه الصور.
ذلك الرجل الذي لا يبصر بعينيه وصفته السورة بما لا تراه العيون:
﴿يَزَّكَّىٰ﴾.
﴿يَذَّكَّرُ﴾.
﴿يَسْعَىٰ﴾.
﴿يَخْشَىٰ﴾.
وفي الآخرة لا يعود الداخل خفيًا، بل يظهر أثر الطريق على الوجه:
﴿مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: 39].
أو:
﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: 40–41].
وهنا تكتمل إعادة بناء الميزان.
ليست قيمة الإنسان في مقدار ما يملك.
ولا في عدد من يعرفونه.
ولا في المنصب الذي يشغله.
ولا في سلامة جسده أو ضعفه.
ولا في مقدار ما نتوقع أن يقدمه لنا.
إنما السؤال:
هل جاء إلى الحق يسعى؟
هل يخشى؟
هل يتذكر؟
هل يتزكى؟
وهذا الميزان نحتاجه في بيوتنا ومدارسنا ومساجدنا ومؤسساتنا ودعوتنا.
فكم من إنسان بسيط تجاهلناه، وكان قلبه ينتظر كلمة تغير حياته.
وكم من صاحب مكانة استنزفنا أعمارنا في مطاردته، وهو لا يريد أن يسمع.
وكم من مرة شغلنا «المهم» في حساباتنا عما هو أهم عند الله.
فسورة عبس لا تعلمنا احتقار صاحب المكانة، ولا تقديم الضعيف لمجرد ضعفه، وإنما تعلمنا ألا نجعل المكانة الدنيوية هي التي تحدد قيمة الإنسان وقابلية قلبه للهداية.
والدرس يمتد إلى علاقتنا بأنفسنا.
لا تقل: أنا أملك.
بل تذكر ممن جاء ما تملك.
لا تقل: أنا صنعت نفسي.
بل تذكر:
﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: 19].
ولا تمر على لقمتك كأنها أمر طبيعي لا يستحق الالتفات:
﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾ [عبس: 24].
ولا تجعل أهلك ومالك ومكانتك مصادر استغناء عن الله؛ فسيأتي يوم:
﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: 34].
إن الإنسان الذي يعرف فقره إلى الله لا يذله هذا الفقر، بل يحرره.
لأنه حين يعرف أنه محتاج إلى الله، لا يحتاج أن يتضخم أمام الناس.
وحين يعرف قيمة الوحي، لا يجعل الحق تابعًا لرضا أصحاب النفوذ.
وحين يعرف أن الطعام متاع، لا يجعل الدنيا غايته.
وحين يتذكر الصاخة، يعرف أن كل وجه سيفقد أقنعته يومًا، وتظهر الحقيقة.
ختاماً
بدأت السورة بإنسان ظُنَّ أن غيره أولى بالاهتمام منه، وانتهت بيوم تسقط فيه كل المقاييس التي كان البشر يزنون بها بعضهم بعضًا.
وبين البداية والنهاية ظلت السورة تهدم سؤالًا واحدًا:
عن ماذا يستغني الإنسان؟
عن الوحي وهو يحتاج إلى التزكية؟
عن ربه وهو الذي خلقه من نطفة؟
عن رزقه وهو لا يستطيع أن ينبت لنفسه حبة؟
عن قدر الله وهو لا يملك موته ولا بعثه؟
عن الآخرة بأهله وعشيرته، وهم يومئذ يفر بعضهم من بعض؟
إن أعظم ما يفسد ميزان الإنسان أن يتوهم أنه مستغنٍ.
وأعظم ما يعيده إلى حجمه الصحيح أن يعرف فقره إلى ربه.
ولهذا كان النموذج المضيء في أول السورة إنسانًا لم يأت مستغنيًا، وإنما:
﴿جَاءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ﴾ [عبس: 8–9].
فلا يكن أكبر سؤالنا في الحياة: كم نملك؟
بل: إلى أين نسعى؟
ولا: كيف يرانا الناس؟
بل: ماذا صنعت التذكرة في قلوبنا؟
ولا ننتظر حتى تتحول التذكرة إلى صاخة، ويصبح ما كان غيبًا حقيقة ظاهرة على الوجوه.