سورة الهمزة… حين يجرح اللسان ويخدع المالُ القلب
احتقار الناس وإيذاؤهم باللسان يغذيهما وهم الاطمئنان إلى جمع المال، وتكشف سورة الهمزة زيف هذا الأمان حين يعمي صاحبه عن حقيقة الحساب وعاقبة أذاه.
تبدأ السورة بكلمة وعيد شديدة: ﴿وَيْلٌ﴾. ثم يتوجه الوعيد إلى ﴿كُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]؛ إلى من اعتاد الطعن في الناس وعيبهم والاستخفاف بهم. لم تذكر السورة اسمًا ينتهي التحذير بانتهاء زمانه، بل وصفت خُلُقًا ينبغي أن يخافه كل من وجد له أثرًا في لسانه أو إشارته أو مجلسه.
قد يستهين الإنسان بكلمة قالها ليضحك الحاضرون، أو بنظرة يتبادلها مع غيره على هيئة أحد الناس، أو بتعليق يكتبه ثم يمضي. لكن من وقع عليه الأذى ليس مادةً للتسلية؛ له كرامة وسمعة وقلب. وتكرار هذا المسلك يصنع عادةً يرى صاحبها عيوب الآخرين حديثًا سهلًا، بينما يثقل عليه أن يرى عيب نفسه.
ثم تنتقل السورة من طريقة تعامله مع الناس إلى ما يشغله في دنياه: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: 2]. المال في ذاته نعمة قد تُكتسب بحق وتُصرف في حق، وحفظه لما يحتاجه الإنسان وأهله ليس موضع الذم. لكن السورة تعرض صورة من جعل الجمع والتعداد شغله، وأخذ ينظر إلى ما يملك كأنه مقياس منزلته وضمان مستقبله.
وهنا تكشف الآية التالية موضع الوهم: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: 3]. قد يعلم المرء أن الموت حق، ثم يعيش كأن ماله يستطيع أن يدفع عنه كل فقد، ويحفظ له مكانته، ويبقي أثر سلطانه على الناس. كلما زاد ما عنده ازداد اطمئنانه إلى ما في يده، حتى يختلط عليه الفرق بين امتلاك المال وامتلاك الأمان.
وليس المطلوب أن نفتش عن هذا الحسبان في صدور الآخرين؛ إنما أن نراجعه في أنفسنا. ماذا يحدث لنظرتنا إلى إنسان قلّ ماله؟ هل نصغي إليه كما نصغي إلى الغني؟ وهل نؤدي حق من يعمل عندنا أو يحتاج إلينا، أم يجعلنا ما نملك نرى أنفسنا فوقه؟ قد يظهر فساد الميزان في كلمة احتقار قبل أن يظهر في قرار كبير.
عند هذه النقطة تأتي الكلمة التي تقلب مشهد السورة كله: ﴿كَلَّا﴾. لا يملك المال أن يُخلد صاحبه، ولا أن يعفيه من الحساب، ولا أن يحميه من العاقبة التي تحذّر منها الآيات. كان يعدّ ما جمع كأنه يثبت به أمانه؛ فإذا بالسورة تنقله فجأة إلى قوله تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة: 4]. ينتهي الحسبان حين تظهر الحقيقة، ولا يبقى من المال ما يدفعها.
ثم لا تتركنا السورة نمرّ على اسم الحطمة مرورًا سريعًا: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: 5–7]. يتصاعد الوعيد من النبذ إلى وصف النار وبلوغها الأفئدة. وبعد أن كشفت السورة فعل اللسان ووهم الحسبان، يبلغ مشهد العاقبة موضعًا من الإنسان لا يراه الناس. ولا نحتاج إلى أن نزيد على الآيات وصفًا من عندنا حتى نشعر بثقل هذا التحذير.
ويأتي ختام السورة: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: 8–9]. لقد انغلق مشهد الوعيد على من كان يحسب أن ما جمعه يفتح له أبواب الأمان. وهنا تظهر هندسة السورة في مسارها كله: خُلُق يؤذي الناس، ومال يُجمع ويُعدّ، وحسبان يتكئ عليه صاحبه، ثم ﴿كَلَّا﴾ ترده إلى حقيقة لا يملك دفعها.
وتزداد هذه الصورة أثرًا حين نقرأ الهمزة بعد سورة العصر. هناك ذكر الله التواصي بالحق والصبر بين صفات الناجين من الخسر، وهنا يبدأ الوعيد بلسان يعيب الناس ويحتقرهم. في التواصي يذكّر الإنسان أخاه ويقبل تذكيره، ويعينه على الثبات؛ وفي الهمز واللمز يجعل كلامه سببًا لإيذائه. ليست الكلمة أمرًا صغيرًا في بناء الإنسان والمجتمع؛ فقد تكون باب نصح وإصلاح، وقد تصير أداة هدم.
وفي واقعنا لا يقف الهمز واللمز عند مجلس ينفضّ أهله. قد تُنشر صورة للسخرية من صاحبها، أو يُقتطع مقطع من كلامه ليُضحك الناس عليه، أو يُكتب تعليق جارح يبقى متداولًا بعد أن ينساه كاتبه. وليس كل نقد همزًا ولمزًا؛ فقد يجب بيان الخطأ وردّ القول الباطل. لكن الفرق ظاهر بين من يقصد إظهار الحق بعدل، ومن يتخذ من خطأ إنسان أو هيئته سبيلًا لإذلاله.
فماذا نفعل إذا وجدنا هذا الخلق في أنفسنا أو مجالسنا؟ نبدأ بأن نحبس الكلمة قبل خروجها، ونسأل: هل فيها حق ينفع، أم احتقار يؤذي؟ ولا نشارك في نشر سخرية نعرف أنها تجرح صاحبها. وإن وقع منا الأذى، أصلحنا ما استطعنا: نحذف ما نشرناه، ونصحح ما أشعناه، ونعتذر ممن أصبناه بدل أن نختبئ وراء عبارة «كنت أمزح». ونربّي أبناءنا على أن يردّوا الخطأ دون إهانة صاحبه، وأن كرامة الإنسان لا تُقاس بماله أو مظهره.
ونراجع علاقتنا بالمال كذلك. نعمل ونكسب وندخر، ونشكر الله على ما آتانا، ونؤدي الحقوق التي فيه، لكننا لا نجعله حكمًا على أقدار الناس أو وعدًا بأن المستقبل صار مضمونًا. فما في اليد يذهب أو يُترك، أما ما قدمه الإنسان من عدل ورحمة وأداء للحقوق فهو الذي ينبغي أن يشغله.
ختامًا، لا تعرض سورة الهمزة ذنب اللسان منفصلًا عن ميزان صاحبه في الحياة. إنها تنبهنا إلى خطر أن يصغر الناس في أعيننا كلما كبر المال فيها، وأن يتحول ما جمعناه إلى وهم بالأمان. وعلاج ذلك أن نحفظ كرامة الخلق، ونردّ الكلمة الجارحة، ونضع المال في موضعه، ونتذكر أن شيئًا مما نملك لا يمنحنا الخلود.