أين تكون الكرامة حين تتغيّر الأحوال؟
ميزان الكرامة الحقيقي لا يُقاس بسعة الرزق أو بسطة القوة الزائلة، بل بحسن تسخير ما نملك في صيانة حقوق الضعفاء وبذل الخير قبل فوات الأوان.
قال الله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: 2–5].
تبدأ السورة بآيات يراها الإنسان في تعاقب الزمن، ثم تسأله عن العقل الذي ينظر بها: ﴿هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: 5]؟ والحِجر عقلٌ يحجز صاحبه عن التسرع والاغترار. فليست العبرة أن نرى الليل والفجر، ثم نمضي على أحكامنا القديمة؛ العبرة أن نتعلم كيف نقرأ ما يتغير حولنا، وألا نجعل ما يبدو قويًا أو باقيًا معيارًا للحقيقة.
ثم تعرض السورة شواهد من التاريخ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر: 6–10].
عاد بما تميزت به، وثمود التي خرقت الصخر واتخذت فيه مساكن، وفرعون بما كان له من سلطان: صور متفاوتة لقوة ظنّ أصحابها أنها تحميهم. لكن القرآن لا يذم القوة لمجرد امتلاكها، بل يكشف ما صنعوا بها: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر: 11–12].
هنا موضع الحكم. قد تُشيّد أمة ما يُدهش الناظر، وتبلغ في التنظيم والقدرة مبلغًا بعيدًا، ثم تستعمل ذلك في إهانة الناس وأكل حقوقهم. فلا يصح أن نخلط بين التقدم في الأسباب والاستقامة في استعمالها. لقد أُعطي أولئك أسباب قوة، فلم تمنع عنهم عاقبة الطغيان: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 13–14].
لا يعني إمهال الظالم أن الله غاب عن المشهد. وتلك سنة نخشى أن نخطئ قراءتها كلما رأينا قوةً تطول يدها، فيحسب بعض الناس أن بقاءها دليل سلامتها. تذكّرنا السورة بأن السؤال الأهم ليس: كم تملك من أسباب القوة؟ بل: ما الذي فعلته بها، وما الذي سيُسأل عنه أصحابها؟
ثم تقترب السورة من امتحان يتكرر في حياة كل إنسان. فكما اغترّت أمم بقوتها، قد يغتر أحدنا بسعة رزقه، أو يظن عند ضيقه أن كرامته قد ضاعت: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15–16].
سمّى الله الحالين ابتلاءً. في السعة نعمة تستوجب الشكر، لكنها ليست حكمًا بأن الغني أفضل عند الله من غيره. وفي ضيق الرزق مشقة تحتاج صبرًا وسعيًا، لكنها ليست حكمًا بأن صاحبها قد هان على ربه. أخطأ الإنسان حين جعل مقدار ما في يده مقياس منزلته، ثم أخذ ينظر إلى نفسه وإلى الناس بهذا الميزان.
وجاء الردّ الذي ينقلنا من دعوى الكرامة إلى أثرها: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 17–20].
يقول الإنسان: «ربي أكرمن»، فيأتيه السؤال بلسان الآية: وأنت، هل أكرمت اليتيم؟ إكرامه ليس كلمة عطف عابرة؛ إنه حفظ ماله، وسد حاجته، وحسن معاملته، وصيانة كرامته. ثم تسأل السورة عن المسكين، ولا تكتفي بترك إطعامه، بل تعاتب على ترك الحضّ على طعامه. فقد يضعف البذل في مجتمع، ثم يضعف معه صوت من يذكّر الناس بحق المحتاج.
ويظهر أثر حب المال كذلك عند قسمة الميراث؛ حين يمدّ القادر يده إلى نصيب امرأة أو صغير أو من يعجز عن المطالبة بحقه. قد يتحدث المرء عن نعمة الله عليه، ثم يمنع عن غيره ما جعل الله له. لذلك لا تكتمل قراءة الابتلاء بما يشعر به صاحب المال تجاه نفسه؛ بل بما يفعل حين تتعارض رغبته مع حق غيره.
وهذا جواب عملي للسورة في واقعنا: من أُعطي مالًا فليتحرّ حق من يحتاج وحق من يرث. ومن أُعطي سلطةً فليمنع بها الظلم الذي يقدر على منعه. ومن رأى مجتمعًا يألف غياب المحتاج عن حساباته، فليُحيِ فيه الحضّ على الإطعام وصيانة الكرامة. هكذا يُعرف أثر ما أُعطينا، قبل أن يُسأل كل منا عما صنع به.
ثم تقطع ﴿كَلَّا﴾ الثانية انشغال الإنسان بما يجمع، وتعرض اليوم الذي ينكشف فيه ما قدّم: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: 21–26].
كان في الدنيا يحكم على منزلته بما ناله؛ فإذا به يومئذ يتحسر على ما لم يقدّم. لقد جاء التذكّر بعد انقضاء زمن العمل، وجاء معه مشهد جزاء لا تدفعه قوة ولا مال. وقوله ﴿قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 24] يردّنا إلى السؤال الذي نستطيع الإجابة عنه الآن: ما الذي نرسله أمامنا ونحن قادرون على العمل؟ الدنيا فرصة للإصلاح والعطاء ورد الحقوق، قبل أن تصير هذه الأعمال أمنيةً في يوم الحسرة.
وفي مقابل ذلك المشهد، تختم السورة بنداء كريم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27–30].
اطمأنت هذه النفس إلى ربها ووعده؛ فلم تجعل سعة المال مصدر أمنها، ولا ضيقه برهان هوانها. وقد تلقى في الدنيا بلاءً وألمًا، لكن إيمانها يردّها إلى الصبر والشكر والعمل. ثم تنال ما هو أعظم من حكم الناس عليها: رضا ربها، والدخول في عباده وجنته. هنا يظهر موضع الكرامة التي بحث عنها الإنسان في قوة زائلة أو مال متقلب.
وفي ترتيب المصحف صلة لطيفة تُعيننا على العمل: ختمت الغاشية بذكر الإياب والحساب، فكشفت الفجر شيئًا مما يُحاسَب عليه الإنسان، ثم جاءت سورة البلد فذكرت إطعام اليتيم والمسكين والتواصي بالمرحمة. كأننا نُدعى إلى أن نحمل سؤال الحساب معنا ونحن نرى صاحب الحاجة، لا بعد أن يفوت وقت الإطعام.
ختامًا، لا تطلب منا سورة الفجر أن ننتظر تبدّل الأحوال لنعرف قدرنا؛ بل أن نصحّح ميزاننا ونحن فيها. نسأل: كيف نستعمل قوتنا؟ كيف نقرأ سعة الرزق وضيقه؟ من حفظنا حقه، ومن غفلنا عنه؟ وما الذي قدّمناه لحياتنا؟ فزمن العمل لا يزال مفتوحًا، والمرصاد قائم، ونداء النفس المطمئنة هو الغاية التي نرجوها ونسعى إليها.