سنن التنزيل
مقال

وسام الوفاء… من إبراهيم إلى فلسطين

  • دقيقتان للقراءة
  • آيتان

سنة الوفاء تمثل المعيار الحقيقي لصدق الإنسان عند الابتلاء، كما تجسدت في سيرة إبراهيم وتتجدد اليوم في ثبات فلسطين وتحمل كلفة التمسك بالحق.

بسم الله الرحمن الرحيم

يختصر القرآن أحيانًا حياةً كاملة في كلمة واحدة، وسيرةً ممتدة في وصف جامع.

ومن أعظم تلك الكلمات قول الله تعالى:

﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37].

لم يقل القرآن: إبراهيم الذي انتصر، أو إبراهيم الذي هاجر، أو إبراهيم الذي ابتُلي، مع أن كل ذلك من أعظم مناقبه، لكنه اختار كلمة جمعت المعنى كله:

وفّى.

لأن قيمة الإنسان عند الله ليست بما يملكه من شعارات، ولا بما يطلبه من مكانة، وإنما بصدق وفائه لما عاهد الله عليه.

سنة الوفاء عند الابتلاء

كانت حياة إبراهيم عليه السلام سلسلة من الاختبارات:

واجه قومه وحده، وأُلقي في النار، وهاجر عن وطنه، وترك أهله في وادٍ غير ذي زرع، واستجاب لأمر الله في أشد لحظات الابتلاء.

لكن القرآن لم يجعل عنوان حياته كثرة ما ابتُلي به، بل كيف استجاب لهذا الابتلاء.

فلم يكن إبراهيم صاحب إيمان يقال، بل عهد يُوفّى، وموقف يُحمل، وطريق يُسلك.

وهنا تظهر سنة من سنن الله:

أن العبرة ليست بحجم الابتلاء، وإنما بصدق الإنسان في الوفاء حين يأتي الاختبار.

الوفاء… معيار الإنسان

ولهذا لا يسأل المؤمن نفسه فقط: ماذا حققت؟

بل يسأل:

هل وفيت؟

هل وفيت حق الله؟

هل وفيت للأمانة التي حملتها؟

هل وفيت للحق حين أصبحت كلفته عالية؟

فالإنسان قد لا يملك النتائج، لكنه يملك الصدق في الطريق.

وقد ينجح في أعين الناس بما يملك، لكنه لا يبلغ مقام الوفاء بما يتركه من أثر عند الله.

أزمة الأمم… أزمة وفاء

إن كثيرًا من أزمات المجتمعات ليست دائمًا في قلة الإمكانات، بل في ضعف الوفاء.

نرفع المبادئ حين لا تكلفنا شيئًا، ثم نتراجع عندما يأتي وقت التضحية.

ولهذا يبقى إبراهيم عليه السلام نموذجًا خالدًا؛ لأنه جمع بين القول والعمل، وبين الإيمان والموقف، وبين العهد والتضحية.

فلسطين… حين يُختبر معنى الوفاء

وفي واقعنا المعاصر تبرز معاني هذه الآية في صور كثيرة من الصبر والثبات.

ففي فلسطين، حيث تتوالى مشاهد الألم والفقد والابتلاء، يظهر معنى الوفاء في أناس تمسكوا بما يرونه حقًا، وتحملوا كلفة الطريق رغم شدته.

ليس المقصود أن البشر معصومون من الخطأ، ولا أن المواقف متساوية، وإنما المقصود أن قيمة الوفاء نفسها تبقى حاضرة:

وفاء للحق.

وفاء للأرض.

وفاء للأمانة.

وفاء للعهد الذي بين الإنسان وربه.

فالقرآن لا يذكر إبراهيم عليه السلام ليكون قصة من الماضي، بل ليصنع في كل جيل نماذج تحمل هذا المعنى العظيم: أن يبقى الإنسان صادقًا فيما يؤمن به، وأن يؤدي ما عليه، ويترك النتائج لله.

الوفاء بين العبد وربه

ثم يربط القرآن بين وفاء العبد وجزاء الله له:

﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: 41].

فمن وفّى لله، وفّى الله له.

ومن صدق مع الله، لم يضيعه الله.

ومن بذل ما عليه، وجد عند الله ما هو أعظم مما بذل.

ولهذا فالسؤال الذي ينبغي أن نقف معه:

ما العهد الذي بيني وبين الله ولم أوفِّه بعد؟

وما الأمانة التي حملتها وقصّرت فيها؟

وما الحق الذي عرفتُه ثم ضعفت عند كلفته؟

إن أعظم ما تحتاجه الأمة ليس كثرة المتحدثين عن الحق، بل كثرة الموفين به.

فقد اختصر الله حياة إبراهيم كلها في كلمة واحدة؛ لأنها تلخص حقيقة الإنسان عنده:

ليس بما قال، ولا بما ادعى، ولا بما انتسب إليه…

بل بما وفّى به.

فطوبى لمن لقي الله وقد صدق في عهده، وأخلص في عمله، وثبت على طريقه، حتى نال شرف هذا الوسام الرباني:

﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37].

شارك المقال