سنن التنزيل
مقال

سنة الرفع بالعلم والسقوط بالهوى

  • 4 دقائق للقراءة
  • 3 آيات

رفعة العلم لا تُنال بمجرد امتلاك المعرفة، بل بالاستمساك بنور الوحي، في حين يقود اتباع الهوى والإخلاد إلى الأرض صاحبه نحو السقوط والاستعباد.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

*سنة الرفع بالعلم والسقوط بالهوى*

حين يتحول العلم من نور الهداية إلى أداة للاستعباد

ليست أخطر خسارة أن يجهل الإنسان، فجاهلٌ قد يطلب الحق إذا ظهر له، ولكن الخطر الأكبر أن يُؤتى الإنسان العلم ثم يختار أن يعطّل أثره، وأن يفصل المعرفة عن الهداية، وأن يجعل من النعمة التي رفعه الله بها سببًا في سقوطه.

فالعلم في ميزان القرآن ليس مجرد معلومات تُحفظ، ولا منزلة يُتفاخر بها، وإنما أمانة تقود صاحبها إلى الحق. فإذا قاده الوحي كان العلم نورًا وحرية ورفعة، وإذا قاده الهوى تحول إلى قيدٍ جديد، يستعبد صاحبه وهو يظن أنه يملك زمام الأمور.

وهذه السنة يكشفها القرآن في قوله تعالى:

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ۝ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: 175-176].

هذه الآيات لا تعرض قصة فرد مضى فحسب، بل تكشف قانونًا ربانيًا يتكرر في حياة الأفراد والأمم: أن العلم لا يرفع صاحبه إلا إذا بقي مرتبطًا بالوحي، وأن أعظم أسباب السقوط أن يعرف الإنسان الحق ثم ينسلخ منه.

من العطاء إلى الانسلاخ

يبدأ القرآن القصة بقوله:

﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف: 175].

فالعلم في أصله عطاء من الله، والآيات نعمة تهدي الإنسان وتحفظه، وترفعه عن أسر الجهل والهوى.

لكن الخطر لم يكن في فقدان الآيات، وإنما في الموقف منها:

﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: 175].

وهذا التعبير القرآني بالغ الدقة؛ فلم يقل: نسيها، أو جهلها، أو ضاعت منه، وإنما قال: انسَلَخ.

فالانسلاخ فعل اختياري، يدل على أن الإنسان قد يحمل الحق ثم يخلع أثره عن حياته، ويبقي المعلومة ويترك الهداية، ويحفظ النص ثم يعطل سلطانه على القلب.

وهنا تبدأ سنة السقوط؛ فالمشكلة ليست دائمًا في غياب العلم، وإنما في غياب الخضوع لما يقتضيه العلم.

حين يخرج الإنسان من حصن الوحي

ثم تأتي النتيجة:

﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: 175].

ولم يقل القرآن: فاتبع الشيطان، بل قال: فأتبعه؛ لأن الشيطان لم يجد طريقه إليه إلا بعد أن انسَلخ من الآيات.

فالإنسان لا يُحفظ بكثرة ما يعلم فقط، وإنما بما يجعل هذا العلم قائدًا لسلوكه وقراره.

فإذا أصبح العلم تابعًا للرغبة، أو المصلحة، أو الخوف، فقد الإنسان الحصن الذي كان يحميه.

ولهذا كانت أخطر المعارك ليست معركة امتلاك المعرفة، بل معركة بقاء القلب وفيًّا لما عرف.

الرفع بالآيات لا بالمعلومات

ثم يفتح القرآن باب النجاة:

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 176].

والتعبير القرآني يحمل دلالة عميقة؛ فلم يقل: رفعناه بعلمه، وإنما قال:

﴿بِهَا﴾.

أي بهذه الآيات.

فالرفع لا يكون بمجرد كثرة المعرفة، وإنما بما تصنعه الآيات في النفس من خشية، واستقامة، وبصيرة، وثبات.

فكم من إنسان عرف كثيرًا ولم يزدد قربًا، وكم من إنسان حمل علمًا ولم يحمل أمانته.

ولهذا كان العلم في الإسلام مسؤولية قبل أن يكون مكانة، وميثاقًا قبل أن يكون منزلة.

قال النبي ﷺ:

«من سُئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار».

فإذا كان كتمان الحق خطرًا، فإن أخطر منه أن يتحول العلم إلى وسيلة لتغطية الباطل، أو تزيين الظلم، أو إسكات صوت الحق.

الجاذبية التي تُسقط أصحاب العلم

ثم يكشف القرآن سبب السقوط:

﴿وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: 176].

فالإنسان لم يسقط لأنه لم يعرف، وإنما لأنه تعلّق بالأرض.

والإخلاد إلى الأرض هو أن تصبح المصالح، والمناصب، والجاه، والخوف، والراحة، أقوى تأثيرًا من نداء الحق.

وهنا يتحول العلم من وسيلة تحرير إلى وسيلة استعباد؛ لأن صاحبه لم يعد عبدًا لله بعلمه، بل صار أسيرًا لما يخشاه أو يطلبه.

ومن هنا كان الهوى أخطر من الجهل؛ فالجاهل قد يبحث عن الحقيقة، أما صاحب الهوى فقد يعرفها ثم يبحث عن مخرج منها.

سنة تتكرر في التاريخ

هذه السنة لا تختص بفئة معينة، بل تتكرر في كل زمان.

ففي مقابل نموذج من ينسلخ من الآيات، يظهر نموذج من يتحرر بها.

فسحرة فرعون، وهم أهل اختصاص في زمانهم، دخلوا الموقف يطلبون رضا الطاغية، فلما عرفوا الحق لم يعد سلطان فرعون قادرًا على أسرهم، فقالوا:

﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ [طه: 72].

لقد حررهم العلم حين صدقوا معه.

وثبت الإمام أحمد بن حنبل حين أصبح الحق عنده أغلى من الألم، فلم يجعل الخوف قائدًا لموقفه.

وكان العز بن عبد السلام مثالًا لاستقلال العلم، فلم يجعل قربه من السلطان مصدر قوته، بل جعل الحق مصدر هيبته.

وفي المقابل يتكرر نموذج من يجعل علمه تابعًا للهوى، فيفقد العلم بركته، ويصبح ما كان يمكن أن يكون سببًا لرفعته سببًا في سقوطه.

من الفرد إلى الأمة

وهذه السنة لا تحكم الأفراد فقط، بل تحكم الأمم والحضارات.

فالأمم لا تسقط يوم يقل علمها، وإنما تبدأ في السقوط حين يفقد العلم بوصلته، وحين يتحول من أداة لإقامة الحق إلى أداة لتبرير الواقع، ومن وسيلة لتحرير الإنسان إلى وسيلة لتزييف وعيه.

فالعلم الذي ينفصل عن الأخلاق والوحي قد يزيد قوة الإنسان، لكنه لا يضمن هدايته، وقد يملك أدوات البناء والهدم معًا.

ولهذا يبدأ القرآن بإصلاح القلب؛ لأن فساد القلب الذي يحمل العلم أخطر من قلة العلم نفسه.

السنة المركزية

تكشف هذه الآيات سنة ماضية لا تتبدل:

أن العلم لا يرفع صاحبه بمجرد امتلاكه، وإنما يرفعه إذا بقي الوحي قائدًا له والهوى تابعًا.

فإذا قاد الوحي العلم، صار العلم نورًا وحرية ورفعة.

وإذا قاد الهوى العلم، صار العلم فتنة واستعبادًا وسقوطًا.

ولهذا فالسؤال الأعظم ليس: كم علمت؟

ولكن:

ماذا صنعت بما علمت؟

فمن جعل الوحي إمامه، رفعه الله به.

ومن جعل الهوى إمامه، كان علمه أول شاهد عليه.

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: 176].

شارك المقال