سنن التنزيل
دراسةُ سورة النساء · الجزء 5 من 6

القوة في ميزان القرآن… حين تصبح نصرة المستضعفين مسؤولية

  • 3 دقائق للقراءة
  • 5 آيات

القوة في القرآن وسيلةٌ منضبطةٌ بالحق لحماية كرامة الإنسان ودفع الظلم، حيث تتحول نصرة المستضعفين إلى مسؤولية إيمانية تجمع بين الرحمة والقدرة لمنع الطغيان.

بعد أن عالجت سورة النساء بناء الإنسان من الداخل، وأقامت المجتمع على الأمانة والعدل، وكشفت خطر النفاق، تنتقل إلى قضية لا بد منها في حياة الأمم:

كيف يتعامل المجتمع المؤمن مع الظلم حين يقع؟

فالإسلام لا يبني أمة تعيش في عزلة عن الواقع، ولا يطلب من المؤمن أن يرى الظلم ثم يقف متفرجًا باسم الهدوء أو العجز.

فالحق يحتاج إلى من يحمله، ويحتاج أحيانًا إلى قوة تحميه.

لكن القرآن لا يجعل القوة معيارًا للحق، بل يجعل الحق هو الذي يوجه القوة.

وهنا يظهر الفرق بين قوة تحمل رسالة، وقوة تبحث عن الهيمنة.


نصرة المستضعفين… مقصد القوة في القرآن

قال تعالى:

﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 75]

تضع هذه الآية ميزانًا عظيمًا:

أن القوة في الإسلام لا تُقاس بحجم القدرة، وإنما بالغاية التي تستخدم من أجلها.

فالقوة التي تحمي الإنسان من الظلم قوة ذات مقصد نبيل.

أما القوة التي تستعبد الإنسان، أو تسلب الحقوق، أو تجعل الضعيف ضحية، فهي قوة خرجت عن مقصدها.

وهنا يظهر اتصال هذه الآية ببداية السورة:

فالسورة التي بدأت بحفظ حق اليتيم والضعيف داخل المجتمع، تجعل نصرة المستضعفين خارج المجتمع من مسؤوليات الأمة.

فالإنسان محفوظ الكرامة في كل حال.


بين الرحمة والقوة… توازن المنهج القرآني

قد يظن بعض الناس أن الرحمة تعني الضعف، وأن القوة تعني القسوة، لكن القرآن يقدم تصورًا مختلفًا.

فالرحمة تحتاج إلى قوة تمنع الظلم.

والقوة تحتاج إلى رحمة تمنعها من التحول إلى طغيان.

ولهذا لا يريد القرآن إنسانًا عاجزًا لا يستطيع دفع الباطل، ولا إنسانًا قويًا تحكمه الأهواء.

بل يريد إنسانًا يحمل القدرة تحت سلطان التقوى.

فالقوة في يد المؤمن ليست وسيلة للانتقام، وإنما وسيلة لإقامة الحق.


الهجرة… حين يكون تغيير الواقع مسؤولية

ومن السنن المهمة التي تعرضها سورة النساء سنة الهجرة.

قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: 97]

تكشف الآية أن الإنسان لا ينبغي أن يجعل الواقع قدرًا لا يتغير، إذا كان قادرًا على اتخاذ سبب من أسباب التغيير.

فالله لا يحاسب الإنسان على ما عجز عنه، لكنه يحاسبه حين يرضى بالعجز وهو قادر على الحركة.

ولهذا جاء الاستثناء:

﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98]

فالقرآن يفرق بين العجز الحقيقي، والاستسلام الذي يصنعه الخوف أو الراحة.


الإعداد والتوكل… سنة النصر

ومن أعظم ما يظهر في سورة النساء أن الإيمان لا يعني ترك الأسباب.

ففي أشد الظروف، حين يكون المؤمنون في مواجهة الخطر، يأمرهم القرآن بالأخذ بأسباب الحذر والتنظيم.

قال تعالى في صلاة الخوف:

﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: 102]

ففي هذا المشهد يجتمع أمران:

الثبات على الصلة بالله.

والقيام بالأسباب التي تحفظ الجماعة.

وهذه سنة قرآنية:

أن التوكل الحقيقي لا يلغي الإعداد، وإنما يوجهه.

فالمؤمن يأخذ بالأسباب بقلب متعلق بالله، لا بقلب معتمد على الأسباب وحدها.


القوة بلا حق… طريق الهلاك

يكشف القرآن أن المشكلة ليست في وجود القوة، وإنما في انفصالها عن ميزان الحق.

فكم من قوة ظنت أنها فوق الحساب، ثم انتهت حين تجاوزت حدود الله.

والتاريخ شاهد على أن الظلم قد يعطي صاحبه قوة مؤقتة، لكنه لا يمنحه بقاءً دائمًا.

فسنة الله لا تتغير:

﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43]

فالطغيان يحمل في داخله أسباب سقوطه.


القوة التي يريدها القرآن

ليست القوة في ميزان القرآن مجرد كثرة العدد أو امتلاك الوسائل، وإنما قوة الإنسان الذي يعرف لماذا يستخدم ما في يده.

فأعظم القوة:

أن يملك الإنسان القدرة ولا يظلم.

وأن يستطيع الانتقام فيختار العدل.

وأن يحمل المسؤولية ولا يجعلها طريقًا للهوى.

وهكذا تصبح القوة عبادة حين تخدم الحق.


السنة الجامعة في هذا المحور

تقرر سورة النساء قاعدة عظيمة:

أن الحق يحتاج إلى قوة تحميه، لكن القوة لا تستقيم إلا إذا خضعت للحق.

فإذا انفصلت القوة عن العدل أصبحت ظلمًا.

وإذا انفصل العدل عن القدرة أصبح عاجزًا عن حماية نفسه.

والأمة الراشدة هي التي تجمع بين:

الرحمة والقدرة.

العدل والقوة.

التوكل والإعداد.


وهكذا يكتمل البناء الكبير في سورة النساء:

بدأت بحفظ الإنسان.

ثم إقامة الأسرة.

ثم بناء المجتمع.

ثم تطهير الداخل.

ثم حماية الحق.

ويبقى أن تختم السورة برسالتها الجامعة: أن الإنسان مستخلف ليكون شاهدًا لله بالقسط، وأن العدل هو الخيط الذي يجمع كل أحكامها وتوجيهاتها.

شارك المقال