سورة الزلزلة… حين تتكلم الأرض بما عملنا عليها
سورة الزلزلة تنقض وهم الأمان بثبات الأرض لتضع الإنسان أمام حقيقة أعماله، وتدعوه إلى تدارك صغار الخير والشر ما دامت فرصة العمل قائمة.
ختمت سورة البينة بذكر مصير من كفر ومن آمن وعمل صالحًا، ثم تأتي سورة الزلزلة فتفتح مشهدًا من اليوم الذي تظهر فيه الأعمال. لا تكتفي بأن تخبرنا أن هناك حسابًا، بل تنقلنا إلى الأرض التي نعيش عليها، وتمضي بنا من زلزلتها إلى أصغر عمل صنعناه فوقها.
نألف الأرض ثابتةً تحت أقدامنا. نبني عليها بيوتنا، ونسير في طرقها، ونُواري فيها موتانا. ومع طول الألفة قد نعيش كأن ما استقرّ اليوم سيبقى على حاله غدًا. فتأتي السورة بكلماتها الأولى لتقطع هذا الاطمئنان: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1].
ذلك هو زلزالها الذي أخبرت به السورة، ثم تُخرج الأرض أثقالها. من استقروا في باطنها يخرجون، وما كان محجوبًا عن الأبصار يظهر. ويقف الإنسان أمام ما لم يألفه قائلًا: ﴿مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: 3]؟ أين الثبات الذي عرفه؟ وما الذي أخرج من الأرض ما كانت تضمه؟
لا ينبغي أن يدفعنا هذا المشهد إلى الانشغال بتخيّل تفاصيله أكثر من الانشغال بما يطلبه منا اليوم. فنحن نعلم أن الأرض التي تحملنا لن تدوم لنا على صورتها التي نعرفها، ومع ذلك نؤجل توبةً نستطيعها، أو ردَّ حقٍّ نقدر عليه، أو خيرًا نقول إن له وقتًا آخر. تسألنا السورة، ونحن لا نزال نملك فرصة العمل: إذا تبدّل كل ما ألفناه، فماذا أعددنا لذلك اليوم؟
ثم يأتي ما هو أعجب من حركة الأرض وإخراجها: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾ [الزلزلة: 4–5]. إنها لا تفعل شيئًا من ذلك استقلالًا؛ ربها يأمرها فتستجيب. والأرض التي ظن الإنسان أن ما جرى فوقها انقضى وذهب، تُظهر أخبارها بإذن الله.
كم من خير وقع عليها ولم يجد صاحبه من يراه أو يشكره. وكم من أذًى وقع بعيدًا عن الشهود، فحسب فاعله أن غياب الناس يمحو أثره. لا يضيع هذا ولا ذاك عند الله. وهذه الحقيقة تمنح من عمل الخير في خفاء سببًا للثبات، وتنتزع من صاحب الظلم وهم الأمان حين تخفى فعلته عن الخلق.
نحن نتصرف أحيانًا بحسب من يرانا. نحفظ لساننا في مجلس، ثم نطلقه في مجلس آخر. نؤدي الحق إذا طُلب منا أمام الناس، ونتساهل به إذا لم يملك صاحبه أن يطالبنا. تذكّرنا السورة بأن العمل لا تتغير حقيقته باختلاف المكان أو غياب الشاهد؛ فما خفي على الناس لا يخفى على الله.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: 6]. كانوا في الدنيا يختلطون في البيوت والأسواق ومواطن القوة والضعف، ثم يأتون إلى يوم تظهر فيه أعمالهم. لا تكون منزلة الإنسان هناك بما ادعاه لنفسه، ولا بما استطاع أن يخفيه، بل بما أحضره من عمل.
ثم تختم السورة بآيتين قصيرتين تحملان ميزانًا لا تُهمل فيه الصغائر: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7–8]. الذرة مثال للصغر؛ حتى ما يستقله الإنسان من عمل لا يضيع عند الله. يرى الإنسان خيره وشره أو ما يترتب عليهما، على الوجه الذي يشاؤه الله، فلا يحتاج أن نرسم من عندنا هيئة ذلك العرض.
وفي الآية الأولى باب رجاء عظيم. لا تقل: ما نفع كلمة طيبة وسط هذا القدر من القسوة؟ وما قيمة عونٍ يسير أمام حاجات الناس الكثيرة؟ افعل ما تقدر عليه. كلمةٌ تُنصف مظلومًا، ومساعدةٌ تحفظ كرامة محتاج، وأمانةٌ تؤديها وإن لم يراقبك أحد، وخطوةٌ تصلح بها ما أفسدت؛ قد تراها صغيرة، لكنها ليست ضائعة عند الله.
وفي الآية الثانية باب محاسبة لا يقل أهمية. لا تقل: إنها كلمة عابرة، أو حق ضئيل، أو أذًى لا يلتفت إليه أحد. فصِغَر الفعل في عين صاحبه لا يمحو أثره فيمن أصابه، ولا يخرجه من حساب الله. وربما ألف الإنسان صغار الشر حتى صار يفعلها من غير أن يسأل نفسه عمّن يدفع ثمنها.
وليس المقصود أن يبقى من تذكر ذنبه أسير الخوف. ما دمنا في دار العمل، فباب التوبة والإصلاح مفتوح. من ظلم فليردّ الحق ما استطاع، ومن آذى فليكفّ أذاه ويطلب الصفح، ومن قصّر في خير فليبدأ اليوم. إن ذكر الحساب ينفعنا حين يحملنا على عملٍ يصلح ما مضى، ويحفظ ما بقي من أعمارنا.
وهذا العلاج لا يخص أعمالنا الفردية وحدها. إذا كنا نعلم أن مثقال الذرة لا يضيع، فكيف نهوّن حقوق الناس حين نجتمع على قرار، أو نكتب خبرًا، أو نؤتمن على مالٍ أو سلطة؟ وكيف نمتنع عن نصرة صاحب حق لأن ما نستطيع تقديمه يبدو قليلًا؟ تُعيد السورة إلى الميزان أفعالًا نظنها صغيرة، وقد يكون أثرها في حياة غيرنا عظيمًا.
ختامًا، تبدأ سورة الزلزلة بالأرض وهي تفقد ثباتها الذي ألفناه، وتنتهي بالعمل الذي لا يفقده الله وإن استصغرناه. وبينهما إنسان يسأل: ﴿مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: 3]، وأرضٌ تُحدّث أخبارها بأمر ربها، وناسٌ يرون أعمالهم. فلنسأل أنفسنا قبل يوم السؤال: ماذا نترك وراءنا على هذه الأرض؟ ولنزرع من الخير ما نقدر عليه، ونكفّ من الشر ما نقدر على كفّه، ونتب مما سبق؛ فمثقال الذرة عند الله لا يضيع.