مفارقة الحصار تتجلى في عناية العالم بإنقاذ الدواب بينما يُترك أصحاب العربة لمواجهة القصف والتجويع، متشبثين بأرضهم بانتظار نصرة أمتهم ورفع الظلم عنهم.

بسم الله الرحمن الرحيم
كانت الدابة تجرّ عربتها ببطء بين الحجارة. يسير صاحبها إلى جوارها، يرفع العجلة إذا علقت في حفرة، ويمسح عن عنقها الغبار، ثم يواصلان الطريق.
قبل أن يُقصف بيته، كان يحمّل العربة أكياس الطحين وقِرب الماء. ثم جاء يوم حمّل عليها ما استطاع إخراجه من تحت الركام: فراشًا، وثيابًا، وصورةً لأسرته، ومفتاحًا احتفظ به وإن لم يبقَ له باب. أجلس أباه المسنّ إلى جوار المتاع؛ فقد طال طريق النزوح ولم تعد ساقا الشيخ تقويان عليه.
ومنذ ذلك اليوم، صارت العربة تحمل كل ما يعجز الناس عن حمله. مريضًا يبحث عن مستشفى، وامرأةً أتعبها السير، وأطفالًا يضمون إلى صدورهم ما بقي لهم من البيت. وإذا عادت آخر النهار، تحلّق حولها الصغار، يسألون: هل جاء الماء؟ هل وجدتم خبزًا؟ هل أحضرتم دواء الجد؟
لم تكن الدابة تعرف شيئًا عن الحصار أو المعابر. كانت تعرف صوت صاحبها، وتعرف أنه كلما ناداها كان وراءه أحد ينتظر. وحين شحّ الوقود وتعطلت المركبات، مشت في طرقٍ ضاقت بالركام والقصف، وحملت الناس حيث انقطعت بهم السبل.
ثم جاء خبر جمع بعض الدواب ونقلها إلى خارج البلاد للعناية بها.
نظر الرجل إلى دابته. كانت متعبة، وهو أدرى الناس بحقها في الطعام والراحة والعلاج. لم يغضبه أن تجد دابة جائعة مَن يطعمها، ولا أن يُداوى حيوان جريح. لكن عينيه انتقلتا منها إلى أبيه الجالس عند باب الخيمة، فخرج منه سؤال لم يجد له جوابًا:
ومَن يحمل أصحاب العربة؟
لم يكن يسأل عمّن يُخرجهم من أرضهم. فقد خسر الرجل بيتًا بناه بسنوات عمره، ولا يريد أن يخسر الأرض التي قام عليها البيت أيضًا. هنا يعرف طرق طفولته، وهنا دفن أحبةً له، وهنا يريد أن يكبر أطفاله. لا يتمنى رحلة إلى بلاد بعيدة؛ يتمنى أن يعود إلى داره، وأن يُبنى ما هُدم، وأن ينام أهله ليلةً لا يوقظهم فيها القصف.
كان يسأل عن أمه التي تحتاج دواءً، وعن طفل يخاف أن يغمض عينيه فيفقد مَن بقي له، وعن أبٍ ينتظر الماء حتى إذا جاء قسمه بين أطفاله ولم يشرب. كان يسأل عن نساءٍ يحمين صغارهن في خيام لا تردّ مطرًا ولا بردًا، وعن شيوخ أفنوا أعمارهم في بيوتهم ثم قضوا آخر أيامهم يبحثون عن موضع يسترهم.
كان الناس في أزمنة مضت يسمعون عن الجرائم بعد وقوعها، وقد يبلغهم الخبر ناقصًا أو متأخرًا. أما هنا فقد رأى العالم الطفل يُنتشل من تحت الحجارة، وسمع صوت الأم تناديه، ورأى الجائعين ينتظرون الطعام. وصلت المشاهد بالصوت والصورة. لم يعد السؤال: هل عرفوا؟ بل: ماذا صنعوا بما عرفوا؟
الاحتلال لا يلتبس جرمه على مَن يرى قتله وحصاره وتهجيره للناس. لكن ما يدمي القلب أيضًا حالُ المتفرجين: من أبناء أمة تجمعهم بأصحاب العربة رابطة الدين واللغة، ومن أناس يرفعون شعار الإنسانية ثم تمرّ أمامهم هذه الوجوه فلا تغيّر في مواقفهم شيئًا.
والأدهى أن بعضهم لا يكتفي بالصمت. يلوم الضحية على ما أصابها، ويمدّ المحتل بالسلاح والعتاد، بينما يُضيَّق على المحاصرين في الماء والغذاء والدواء. ثم يظهر باكيًا على الأطفال والنساء. فأيُّ مواساةٍ تبلغ أهل الخيمة من يدٍ تمسح الدمع، ثم تمتدّ بما يعين مَن يقتلهم؟
عاد الرجل مساءً، وأنزل وعاء الماء من العربة. سارع طفله إليه بكوب صغير. دخل الرجل بالدواء إلى أبيه، ثم خرج وسقى دابته وربت على عنقها. كان يعرف حقها عليه، كما كانت تعرف طريق العودة إلى أهله.
نظر إلى العربة الساكنة. حملت عنهم في ذلك اليوم ما استطاعت حمله، لكن ما أثقل حياتهم بقي في مكانه: قصفٌ يجب أن يتوقف، وحصارٌ يجب أن يُرفع، وبيتٌ ينبغي أن يستطيعوا بناءه في أرضهم.
ختامًا، حملت الدابةُ الناس حين انقطعت بهم السبل. فأين الأمة التي تجمعها بهم رابطة الدين واللغة؟ وأين إنسانية عالمٍ رأى الأطفال تحت الركام، والنساء على أبواب المستشفيات، والشيوخ في طوابير الماء، ثم مضى؟
أهل هذه الأرض لا يطلبون أن يُنقَلوا منها؛ يطلبون أن يتوقف قتلهم، وأن يصل إليهم ما يُبقيهم أحياء، وأن يعيشوا فيها أعزاء. لقد حملتهم الدابة بما استطاعت؛ فهل تحمل الأمة ما وجب عليها، وهل يكفّ العالم عن إعانة قاتلهم ثم البكاء عليهم؟