أسباب النجاة تسبق الهلاك في سنن الله، حيث تكشف سورة النحل أن التشريعات والنعم وسائل وقاية متكاملة لحفظ الإنسان وهدايته قبل نزول العذاب.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
حين يتحدث القرآن عن نعم الله، فإنه لا يلفت الأنظار إلى عظيمها فحسب، بل يوقظ القلوب إلى ما يغفل الناس عن عظمته.
قال تعالى:
قد تبدو هذه النعم يسيرة؛ ظل يستر، وكهف يؤوي، ولباس يحفظ الجسد. لكن القرآن لا ينظر إلى حجم النعمة، بل إلى وظيفتها؛ فهي جميعًا وسائل وقاية تحفظ الإنسان قبل أن ينزل به الأذى.
ومن هنا يكشف القرآن عن سنة ربانية عظيمة:
إن الله يُكمل لعباده أسباب النجاة قبل أن يبتليهم بأسباب الهلاك.
فالذي جعل الظل وقاية من حر الشمس، وجعل الجبال مأوى عند الشدة، وجعل اللباس حماية للجسد، هو الذي أنزل الوحي وقايةً للقلوب، وأرسل الرسل هدايةً للعقول، وشرع الأحكام حفظًا للأفراد والمجتمعات.
ولهذا ختم الآية بقوله:
﴿كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: 81].
فتمام النعمة ليس في كثرة ما يملكه الإنسان، وإنما في أن تقوده النعم إلى الإسلام، وأن تتحول وسائل حفظ الجسد إلى طريق لحفظ الدين والمصير.
وهذه السنة لا تحكم حياة الأفراد فحسب، بل تحكم قيام الأمم وسقوط الحضارات.
فالانهيارات الكبرى لا تبدأ عند وقوع الكوارث، وإنما تبدأ يوم تُهمَل أسباب الوقاية. وما أكثر الأمم التي لم تعرف قيمة العدل إلا بعد أن فقدته، ولا قيمة الأسرة إلا بعد أن تفككت، ولا قيمة الأخلاق إلا بعد أن انهارت، ولا قيمة الوحي إلا بعدما دفعت ثمن الإعراض عنه.
ولهذا لم يجعل الله أوامره قيودًا على الإنسان، بل جعلها أسوارًا تحميه. ولم تكن نواهيه تضييقًا عليه، بل وقايةً له. فكل تشريع في القرآن هو سياج يحفظ الإنسان قبل أن يكون حكمًا يحاسَب عليه.
ومن هنا يزول الوهم الذي يردده بعض الناس: لماذا يتوعد الله بالعذاب؟
فالقرآن لا يبدأ بالنار، وإنما يبدأ بالنجاة.
خلق الله للإنسان ما يحفظ بدنه، وأنزل ما يحفظ قلبه، وأرسل الرسل، وأقام الحجج، وفتح باب التوبة، وأمهل ولم يعاجل، ثم قال بعد ذلك كله: اختر طريقك.
فالنار ليست أول رسالة السماء، بل آخر مآل من أغلق على نفسه أبواب الرحمة، وأعرض عن أسباب النجاة بعد اكتمالها.
وهذه هي سنة الله التي تتكرر في القرآن كله:
لا عقوبة قبل بيان، ولا هلاك قبل إنذار، ولا مؤاخذة قبل اكتمال أسباب النجاة.
ولو أدرك الإنسان هذه السنة، لتغيّرت نظرته إلى القرآن كله؛ فليس كتاب تهديد، وإنما كتاب هداية، وليس كتاب عقوبات، وإنما كتاب وقاية. وما أرسل الله الرسل ليكثر المعذَّبون، وإنما ليكثر الناجون.
وهكذا تعلمنا سورة النحل أن أعظم نعم الله ليست الظلال، ولا الأكنان، ولا السرابيل، وإنما المنهج الذي يحفظ الإنسان في دنياه، وينجيه في آخرته.
﴿كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: 81].