سنن التنزيل
دراسةُ سورة الليل

حين يكشف العطاءُ وجهةَ السعي

  • 3 دقائق للقراءة
  • 21 آيةً

عطاء الإنسان يكشف حقيقة سعيه، فحين يقترن البذل بالتقوى والتصديق بفضل ربه يتخلص من انتظار أعواض الخلق، ويتهيأ لبلوغ اليسر ونيل الرضا الموعود.

قال الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ۝ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ۝ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ ۝ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: 1–4].

يقسم الله بالليل والنهار وبما خلق من ذكر وأنثى، ثم يضع أمام الإنسان حقيقةً لا يخرج عنها: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: 4]. كلنا يتحرك ويعمل، لكن اختلاف السعي لا يظهر من مقدار الجهد وحده. قد يبذل اثنان مالًا، فيطلب أحدهما به وجه الله، ويطلب الآخر ما يعود إليه من الناس. وقد يمسك إنسان مالًا ظنًا أن بقاءه في يده هو الأمان كله. فتسألنا السورة: ماذا نعمل، وبأي قلب نعمل، وإلى أين يقودنا ذلك؟

ولا يجعل القسمُ الليلَ صورةً للأشرار والنهارَ صورةً للأخيار، كما لا يقسم الناس في طريقَي السورة على أساس الذكورة والأنوثة. إنها آيات في خلق الله، يتلوها الخبر عن اختلاف أعمال البشر ومقاصدهم. ثم تشرح السورة طريقين، وتضع في كل واحد ثلاث صفات تتصل بالفعل وبالصلة بالله وبما يصدّق به القلب.

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ [الليل: 5–7].

أعطى مما في يده في موضع العطاء، واتقى ربه فلا يجعل المال طريقًا إلى ظلم أو مباهاة، وصدّق بوعد الله. ليست هذه صفات متفرقة اجتمعت مصادفة؛ فمَن لا يرى للرب وعدًا يرجوه، قد يثقل عليه أن يُخرج مالًا لا ينتظر به عوضًا من الناس. ومن أراد أن يتقي الله سأل عن حقّ المحتاج، وعن مصدر ماله ووجهة إنفاقه. هكذا يجتمع عمل اليد، وخشية القلب، والتصديق الذي يحمل الإنسان على المضي حين لا يرى الجزاء أمام عينيه.

ويقابلها الطريق الآخر: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ ۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ۝ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ [الليل: 8–11].

لم يذمّ القرآن حفظ المال لقيام الإنسان بمسؤولياته، وإنما ذمّ بخلًا يقترن بتوهّم الاستغناء عن الله والتكذيب بوعده. يمسك المرء ما كان عليه أن يبذله، ويطمئن إلى ما جمع حتى يكاد لا يرى لمن سواه حقًا فيه. ثم يواجهه السؤال: ما الذي سيدفعه عنه ماله حين يأتي وقت لا يملك تأخيره؟ المال نافعٌ في موضعه، لكنه لا يشتري للإنسان خلاصًا من عاقبة عمله.

وفي الطريقين يقول الله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ [الليل: 7]، و﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ [الليل: 10]. ليست «العسرى» طريقًا حسنًا لمجرد أنه يُهيَّأ لسلوكها؛ إنها عاقبة عسرة لمن مضى في البخل والاستغناء والتكذيب. وفي المقابل، لا يعني التيسير لليسرى أن كل عطاء سيكون سهلًا على النفس، أو أن صاحب التقوى لن يُبتلى. الوعد أعمق من راحةٍ عابرة: يهيئ الله عبده للطريق الذي يسلكه ولما يفضي إليه. ولهذا، حين سُئل نبينا محمد ﷺ عن الاتكال على ما قُدّر، أجاب: «بل اعملوا». فالتيسير يدعونا إلى العمل ورجاء عون الله، لا إلى ترك العمل.

ثم تردّ السورة الطريقين إلى ربّهما: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ ۝ وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ﴾ [الليل: 12–13]. بيّن الله لعباده سبيل الهدى، وتفضّل عليهم بهذا البيان. وهو مالك الآخرة والأولى؛ فما في يد الإنسان من مال لم يخرج عن ملك الله حين وصل إليه، ولا تخرج عنه العاقبة التي ينتظرها. فمن استغنى بماله، عمّن ظنّ أنه يستغني، وبماذا يأمن حين يتركه خلفه؟

ويأتي الإنذار: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ ۝ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ۝ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [الليل: 14–16]. لم تترك السورة وصف الأشقى بلا بيان؛ قرنته بالتكذيب والتولي. فلا نحكم من تعثّر في طاعة أو ضاق عليه البذل مرةً بأنه قد انتهى إلى هذا المصير. باب العمل والتوبة مفتوح ما دام الإنسان في زمن الاختيار، والإنذار يأتي ليوقظه قبل أن يصبح التولي طريقًا يمضي فيه.

وفي مقابل هذا المصير تقول: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ۝ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ ۝ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَىٰ ۝ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ ۝ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ [الليل: 17–21].

بدأ وصف هذا الطريق بـ﴿أَعْطَىٰ﴾، ثم عادت السورة في ختامها إلى المال لتُظهر وجهة العطاء. يعطيه طالبًا التزكي، ولا يجعل ما يبذله مكافأةً ينتظر بها رضا شخص ليدٍ سابقة عليه. يبتغي وجه ربه الأعلى. وليس معنى ذلك أن ردّ الجميل أو شكر من أحسن إلينا مذموم؛ إنما تصور الآيات بذلًا لا تحركه صفقة خفية مع الناس.

ومن شواهد هذا المعنى ما عُرف من إنفاق أبي بكر رضي الله عنه في عتق المستضعفين، ومنهم بلال رضي الله عنه. خرج المال من يده، وخرج به إنسان من الرق. ذلك أثرٌ بيّن للعطاء؛ وقد ذُكر أبو بكر في تفسير هذه الآيات، مع بقاء وصفها بابًا يقتدي به من أعطى واتقى وابتغى وجه الله.

ونحن بحاجة إلى هذا الميزان في شؤوننا. من ملك مالًا سأل عن حقٍّ ينبغي إخراجه، وحاجةٍ يستطيع سدّها، قبل أن يسأل كم سيُذكر اسمه. ومن أُوكل إليه مال الناس أو مصالحهم لم يجعل توزيع العون وسيلةً لشراء الولاء أو الثناء. ومن احتاج إلى المساعدة لم يُترك منتظرًا صفاء نية المعطي؛ فحقه يُؤدَّى، وعلى المعطي أن يُحاسب قلبه ويصلح قصده.

وفي ترتيب المصحف صلة تجمع ما تأملناه في السور السابقة: صححت سورة الفجر ميزان الكرامة والمال؛ وسمّت سورة البلد مواضع للبذل وقت الحاجة؛ وسألت سورة الشمس عن تزكية النفس؛ ثم وضعت سورة الليل العطاء والتقوى والتصديق في طريق واحد، وكشفت ما يرجوه القلب من وراء العمل. فالسعي لا يُوزن بمظهره وحده، ولا تُغني النية المعلنة عن فعلٍ يصل أثره إلى الناس.

ختامًا، لا تطلب منا سورة الليل أن ننتظر حتى نعرف عاقبتنا لنعمل؛ إنها تبيّن الطريق وتدعونا إلى السير فيه. فلنُخرج الحق من أيدينا حين يحين، ونتقِ الله فيما نملك وما نبذل، ونُصدق بوعده حين لا يصفق لنا أحد. ومن وجد في نفسه بخلًا أو طلبًا لثناء الناس، فليُصلح وجهته ويبدأ بما يستطيع. أما من جعل غايته وجه ربه الأعلى، فقد ختمت السورة له بوعدٍ لا يملكه الناس ولا يستطيعون منحه: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ [الليل: 21].

شارك المقال