سورة الغاشية… حين يصير الحديث مشهدًا
سورة الغاشية تضع الإنسان أمام مصيره المحتوم بمشاهد القيامة، وتدعوه لمراجعة عاقبة سعيه والاعتبار بدلائل الخلق قبل أن يتحول الخبر إلى واقع مشهود.
سورة الغاشية… حين يصير الحديث مشهدًا
قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1].
حديثٌ يُسمع اليوم عن يومٍ سيأتي، يُرى فيه ما كان الإنسان يسمع به من قبل. والغاشية اسم يملأ المطلع مهابة؛ فأمرها يغشى الناس، ولا يستطيع أحد أن يعزل نفسه عن عاقبته. لذلك لا تبدأ السورة بطلب عملٍ من الإنسان، بل تضعه أولًا أمام المصير الذي ينبغي أن يُعيد النظر في عمله على ضوئه.
كانت سورة الأعلى قد ختمت بالتنبيه إلى إيثار الحياة الدنيا، وأن الآخرة خير وأبقى. ثم تأتي الغاشية فتفتح مشهد الآخرة: كيف تبدو الوجوه حين تنكشف العاقبة؟ وإلى أين ينتهي السعي الذي شغل الناس في دنياهم؟
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: 2–4]. يبدأ المشهد بالوجوه؛ وخشوعُ هذه الوجوه ذلٌّ من العذاب، لا خشوعُ العبادة المحمود. ثم تتوالى النار والشراب والطعام: ﴿تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: 5–7]. حتى ما يُنتظر منه دفع العطش والجوع لا يأتيهم براحة؛ طعام لا يغذي، ولا يدفع ألم الحاجة إليه.
وفي قوله ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: 3] أقوال لأهل التفسير في موضع العمل والتعب، فلا نجعل الآية حكمًا على كل تعب يبذله الناس في الدنيا. لكن المشهد، حين نقابله بما يليه، يوقظ فينا سؤال العاقبة: قد يمضي عمر الإنسان في سعيٍ طويل؛ فما الذي سيرى أثره حين يُكشف المصير؟
ثم يتغير المشهد: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: 8–9]. هنا أيضًا وجوه وسعي، لكن الوجوه ناعمة، وأصحابها يرون ما يرضيهم من ثمرة سعيهم. قد يعمل المؤمن عملًا صالحًا اليوم، فلا يرى له أثرًا قريبًا، وقد يثقل عليه بذلٌ أو صبر. وتفتح له هذه الآية أفقًا أبعد من النتيجة العاجلة: أن يلقى الله فيرى عاقبة سعيٍ لم يضع.
ولا تقف صورة النعيم عند كثرة ما في الجنة، بل تبدأ الجنة العالية بوصف يلفت السمع: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: 11]. مقام لا يصل إلى أهله لغو يؤذيهم أو يذهب بصفائه، ثم ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية: 12]، وسرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة. يقابل القارئ بين العين الآنية في مشهد العذاب والعين الجارية في مشهد النعيم، ويرى في أوصاف الجنة مقامًا مهيأً لأهله، يجدون فيه ما يسرّهم ويسكنون إليه.
ومن هذا المشهد نستطيع أن نراجع بعض ما نصنعه في حياتنا دون أن نزعم أننا نصنع نعيم الجنة على الأرض. ماذا يسمع أهل بيوتنا ومجالسنا منا؟ هل نخفف عنهم بكلمة صادقة رحيمة، أم نملأ المكان بخصومة وسخرية ولغو؟ إن قوله ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: 11] يجعلنا ننتبه إلى نعمة قد نغفل عنها: راحة الإنسان مما يصل إلى سمعه، ومسؤوليتنا عما يصل إلى أسماع غيرنا.
وبعد أن تعرض السورة ما لا نشهده الآن من أمر الآخرة، تنقل أبصار المخاطَبين إلى ما يشهدونه: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 17–20].
يبدأ السؤال بالإبل القريبة من حياة من خوطبوا أولًا؛ ينتفعون بها ويعرفونها، وقد تجعلهم ألفتها يمرون بجوارها دون تأمل. ثم يمتد النظر إلى السماء والجبال والأرض. أربع مرات تقول السورة: ﴿كَيْفَ﴾. فالمطلوب أعمق من أن نسمي الأشياء التي نراها؛ أن نتوقف عند خلقها وإقامتها وتسخيرها، وأن نعتبر بقدرة من صنعها.
هذه النقلة هي صلة المشهدين بعضهما ببعض: من يستبعد ما أُخبر به من بعث وجزاء، فليتأمل خلق الله الذي يراه. أليس الذي خلق وأقام ما حوله قادرًا على ما أخبر به مما لم يره بعد؟ وقد نحتاج نحن أيضًا إلى استعادة هذا النظر. ننتفع بما سخره الله لنا كل يوم، لكن المنفعة قد تشغلنا عن السؤال الذي يفتح باب الشكر والإيمان: ماذا تدل عليه هذه النعمة، وماذا ينبغي أن يكون أثرها في حياتنا؟
وبعد الحديث عن الغاشية، وعرض المصيرين، ودعوة الناس إلى النظر، يأتي الأمر لنبينا محمد ﷺ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21–22]. بدأ الخطاب بقوله ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ [الغاشية: 1]، ثم اتجه إلى الناس بقوله ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ﴾ [الغاشية: 17]، وعاد إلى النبي ﷺ بقوله ﴿فَذَكِّرْ﴾. يتلقى الحديث ويبلغه، ويُدعى الناس إلى النظر والاستجابة.
والتذكير عمل لا يسقط لأن بعض الناس أعرضوا. لكنه لا يمنح المُذكِّر سلطةً على قلوبهم. يؤدي ما عليه من بيان، ويختار للكلمة موضعها وطريقتها، ويصبر، ثم يترك لله ما لا يملكه. وهذه سنة نحتاجها في دعوتنا وتربيتنا وعلاقاتنا: لا نترك قول الحق عند أول رفض، ولا نحول حرصنا على الناس إلى قهرٍ لهم، ولا نزعم لأنفسنا معرفة ما استقر في قلوبهم أو ما يؤول إليه أمرهم.
لكن حدود مهمة المُذكِّر لا تعني أن إعراض السامع بلا عاقبة. تقول السورة: ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية: 23–26]. من تولى عن التذكير يستطيع أن يمضي عنه في الدنيا، لكنه لا يستطيع أن يمضي بعيدًا عن إيابٍ إلى الله وحسابٍ يتولاه سبحانه. فيطمئن المُذكِّر إلى عدل الله بعد أن يؤدي واجبه، ويتذكر السامع أن رفضه سماع الحق لا يزيل تبعته.
ختامًا، بدأت السورة بحديث الغاشية، وختمت بالإياب والحساب. وبينهما أرتنا وجوهًا ظهر عليها المصير، ولفتت نظرنا إلى خلقٍ نراه، وأمرتنا بالتذكير. فالسؤال الذي تضعه أمامنا اليوم ليس: هل سنعمل ونسعى؟ فنحن نفعل ذلك بالفعل. وإنما: إلى أين يمضي سعينا؟ وهل ننظر فيما حولنا نظر من يعتبر؟ وهل نؤدي ما علينا قبل أن يصير حديث الغاشية مشهدًا نراه؟