في أيّ طريقٍ نبذل كَبَدنا؟
كَبَدُ الإنسان واقعٌ لا مفرّ منه، والرهانُ الحقيقي يكمن في توجيه هذا الجهد لفك القيود وإغاثة المحتاجين والتواصي بالصبر بدلاً من المباهاة.
قال الله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 1–4].
تبدأ السورة بالبلد، وتذكر نبينا محمدًا ﷺ فيه. وفي معنى ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 2] أقوال للمفسرين، منها ما يلفت إلى أذى ناله النبي ﷺ في بلد يعظّم أهله حرمته. ثم يمتد القسم إلى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: 3]، فلا يبقى النظر محصورًا في مكان واحد أو إنسان واحد؛ بل يتجه إلى الإنسان وأجياله، ليأتي الجواب: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4].
يكابد الإنسان منذ يبدأ حياته، وتختلف عليه المشاق كلما تبدلت أحواله. لكن السورة لا تقف عند تقرير التعب، ولا تدعونا إلى أن نجعل المشقة غايةً في ذاتها. إنها تضعنا أمام سؤال: ما دمنا نبذل جهدًا في هذه الحياة، ففي أي طريق نبذله؟ فقد يكابد المرء ليجمع مالًا ويحفظ صورةً يحب أن يراها الناس له، وقد يكابد ليؤدي حقًا أو يعين من اشتدت به الحاجة. وفي كلتا الحالتين جهد، لكنهما لا يستويان في الأثر ولا في المآل.
تُرينا السورة إنسانًا ظن أن ما في يده يعفيه من السؤال: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد: 5–7].
يفاخر بكثرة ما أنفق، وينسى أن المال لا يُعرف قدره من كثرته وحدها، بل من وجهته وما صنعه في حياة الناس. ويحسب أن قوته تمنعه، أو أن حقيقة فعله قد خفيت. فالسورة تواجه وهمين: وهم الإفلات من قدرة الله، ووهم الإفلات من علمه. وما أشبه حال من يستند اليوم إلى مال أو نفوذ، ثم يتحدث عما أنفقه حديثًا طويلًا، ولا يسأل نفسه عمّن انتفع به ومن بقي حقه عليه.
ثم تردّ السورة هذا الإنسان إلى النعم التي قامت بها قدرته أصلًا: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 8–10].
من وهبه عينين يرى بهما؟ ومن أعطاه لسانًا وشفتين ينطق بهما؟ ومن بيّن له الطريقين؟ لم يصنع الإنسان أدواته بيده، ولم يُترك بلا بيان. أُعطي ما يرى به ويعبّر، وهُدي إلى ما يميّز به طريق الخير من طريق الشر. وبعد النعمة يأتي سؤال استعمالها: هل رأى من يحتاج إليه، أم لم يرَ إلا ما يزيد مكانته؟ وهل جعل لسانه وسيلة للتواصي بالحق والرحمة، أم استعمله للمباهاة بما أنفق؟
هنا تبلغ السورة مفصلها: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: 11–12].
لقد بذل صاحبنا مالًا يتحدث عنه، لكنه ترك العقبة التي تعرضها السورة عليه. ولا تتركنا أمام صورة طريق شاقّ مبهم، بل تسمّي أعمالًا يَظهر فيها موضع المشقة وصدق الاختيار: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 13–16].
فكّ الرقبة في أصل الآية تحرير إنسان من الرق؛ تحريرٌ يحتاج إلى بذل، لكنه يفتح لإنسان بابًا من الحرية. ويبقى لهذا الأصل أثر في نظرنا إلى كل مظلوم قُيّد بغير حق: أن نسعى، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته، إلى رفع الظلم عنه وصيانة حريته، من غير أن نُبدّل بذلك معنى الآية المباشر.
ثم يأتي الإطعام في يوم ذي مسغبة؛ يوم يشتد فيه الجوع، ويحتاج الناس إلى من لا يؤخر العون حتى تزول الشدة. والخطاب العملي هنا لمن يملك القدرة على البذل: فردًا كان، أو جماعة، أو مؤسسة، أو صاحب قرار. فليس من العدل أن نلقي واجب الإطعام على من يجوع، ثم نعفي من بيده المال والموارد مما يستطيع فعله.
وتذكر السورة ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: 15]، فتلفت النظر إلى من جمع اليتم والحاجة والقرابة؛ فقد يطلب الإنسان موضعًا بعيدًا لإحسان يراه الناس، ويغفل عمّن له حق قريب عليه. وتذكر ﴿مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 16]؛ من بلغ به الفقر والحرمان مبلغًا شديدًا. لا يُسأل هؤلاء أن يثبتوا لنا استحقاقهم للرحمة؛ بل نسأل نحن: هل رأينا حاجتهم، وماذا فعل القادرون منا حين رأوها؟
ثم لا تترك السورة فكّ الرقبة والإطعام مبادرات تنتهي بانتهاء لحظتها: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 17].
إنها تجمع الإيمان بالعمل، وتجمع العاملين بعضهم إلى بعض. فالصبر يُحتاج إليه حين يطول الطريق، والمرحمة تُحتاج إليها حين يضعف الإحساس بألم الناس أو تزاحم حقوقهم مصالح الأقوياء. و«تواصوا» تعني أن لا يترك بعضنا بعضًا للفتور والنسيان؛ يذكّر القادرَ مَن حوله بحق المحتاج، ويعين الناس بعضهم بعضًا على الوفاء به.
قد لا تكفي مبادرة عابرة لإنصاف من طال ظلمه، ولا عطاء يوم واحد لمن تتكرر حاجته. لهذا ينبغي أن تصير الرحمة عملًا يستمر: حقوقًا تُصان، ومواردَ توجَّه إلى مواضع الحاجة، وأناسًا يتواصون بالصبر حتى لا ينقطع ما بدأوه. تلك عقبة لا يقتحمها المرء بحديثه عن الخير، بل بخطواته فيه، وبما يعين غيره على الثبات معه.
وتختم السورة بعاقبة الطريقين: ﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: 18–20].
من ظن أنه لا يُقدَر عليه ولا يُرى، يلقى عاقبة اختياره؛ ومن آمن واقتحم العقبة وتواصى بالصبر والمرحمة، ذُكر مع أصحاب الميمنة. و«مؤصدة» مغلقة عليهم؛ خاتمة توقظ من حسب أن ما له من قدرة اليوم يفتح له كل باب.
وبهذا تتضح صلة سورة البلد بما سبقها في ترتيب المصحف. عاتبت سورة الفجر من لا يكرم اليتيم ولا يحضّ على طعام المسكين؛ فجاءت سورة البلد بصورة الإطعام وقت المسغبة، وأضافت فكّ الرقبة والتواصي بالمرحمة. انتقلنا من رؤية التقصير إلى أعمال يمكن أن نبدأ بها، ومن سؤال الإنسان عن كرامته إلى سؤاله عما يقدّمه لمن يحتاج إليه.
ختامًا، لا يملك أحد أن يختار حياةً تخلو من كل كَبَد، لكن في أيدينا أن نختار وجهة ما نبذله من قوة ومال ووقت. فلننظر إلى ما أُعطينا، ثم إلى من يحتاج أثره منا. ولنبدأ بما نقدر عليه اليوم، ونتواصَ حتى لا تضعف الرحمة حين يطول العمل. فالعقبة التي سمّتها السورة ليست بعيدة عن حياتنا؛ إنها أمامنا كلما استطعنا فكّ قيد، أو إطعام جائع، أو حمل حق ضعيف فلم نتركه وحده.