سنن التنزيل
دراسةُ سورة البينة

سورة البينة… حين يظهر الحق ويُختبر صدق الاستجابة

  • 15 دقيقةً للقراءة
  • 11 آيةً

وضوح الحق يضع الإنسان أمام اختبار الاستجابة الصادقة، فالمعرفة وحدها لا تعصم من التفرق ما لم تقترن بإخلاص يحول العلم إلى عمل يثمر الخشية ورضا الله.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

النسخة الأم بعد الاستدراكات العلمية والتفسيرية والبيانية

قال الله تعالى:

﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ۝ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ۝ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ۝ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ۝ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ۝ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ۝ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ۝ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 1–8] البينة: 1–8.

حين تأتي البينة… وتبدأ مسؤولية الإنسان

﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 1].

تفتتح السورة بهذا التعبير الذي يستوقف المتأمل، ويثير سؤالًا تفسيريًا مهمًا: منفكين عن ماذا؟

فالانفكاك في اللغة يدل على الانفصال والمفارقة والانتهاء عن الشيء، وقد تعددت توجيهات المفسرين في بيان المراد منه في الآية.

فمنهم من فهمه على معنى أنهم لم يكونوا منتهين عما هم عليه حتى تأتيهم البينة، ومنهم من وجهه في سياق قيام الحجة وظهور الرسالة.

ولذلك ينبغي ألا نفهم الآية على أنها تقرر أن جميع أهل الكتاب والمشركين تركوا ما كانوا عليه بمجرد مجيء الرسول؛ فالسورة نفسها تبين اختلاف مواقف الناس بعد ظهور البينة.

وإنما الذي يبرز من مجموع السياق أن الله جاءهم بالبينة التي تكشف الحق وتقوم بها الحجة، ثم ظهر موقف الإنسان من هذه الرسالة.

وقد جمعت الآية بين أهل الكتاب والمشركين، مع اختلاف ما كان عند الفريقين من معرفة سابقة بالوحي.

فأهل الكتاب كانت عندهم كتب ورسالات سابقة، أما المشركون الذين تتناولهم الآية فلم يكونوا أهل كتاب.

وهنا تظهر حقيقة مهمة: امتلاك الإنسان معرفة دينية سابقة لا يضمن له الاستجابة للحق، كما أن عدم امتلاكه تلك المعرفة لا يمنعه من الهداية حين تبلغه الرسالة.

فالعبرة ليست بمجرد ما يعرفه الإنسان أو ينتسب إليه، وإنما بموقفه مما تبين له من الحق.

لكننا لا نملك أن نحكم على تفاصيل قيام الحجة على كل فرد بعينه؛ فذلك مرده إلى علم الله وعدله، وإنما نتدبر ما قررته السورة من ظهور البينة ومسؤولية الاستجابة لها.

ثم يأتي البيان:

﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ۝ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: 2–3].

فالبينة ليست تصورًا بشريًا نشأ من اجتهاد الإنسان، وإنما رسول من الله يتلو وحيه.

إنه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي جاء بالقرآن هداية للناس.

وقد وصفت السورة الصحف بأنها مطهرة، أي منزهة عما لا يليق بالوحي الإلهي، وأن فيها كتبًا قيمة، أي ما كتبه الله من الحق والهدى والأحكام المستقيمة.

وتأمل اجتماع الوصفين:

﴿مُطَهَّرَةً﴾.

﴿قَيِّمَةٌ﴾.

فالوحي مطهر من الباطل، وما جاء به مستقيم في هدايته وأمره.

وهذا يبين أن الله لم يترك الإنسان لتقلبات الأهواء وحدها، وإنما أنزل الوحي ليهديه إلى الحق، ويبين له ما يصلح اعتقاده وعبادته وحياته.

غير أن مجيء البينة لا يعني بالضرورة أن جميع الناس سيستجيبون لها.

وهنا تنتقل السورة إلى حقيقة قد يغفل عنها الإنسان.

حين يكون التفرق بعد ظهور الحق

قال تعالى:

﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 4].

هذه الآية من أهم مفاتيح السورة.

فقد يظن الإنسان أن الخلاف بين الناس ينتهي بمجرد ظهور الدليل، وأن المشكلة كلها في غياب المعرفة.

لكن القرآن يكشف أن التفرق المذموم قد يقع بعد مجيء البينة.

وقد بين الله في موضع آخر أن البغي كان سببًا في اختلاف بعض من أوتوا الكتاب بعد مجيء العلم، فقال:

﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19] آل عمران: 19.

وهنا تظهر مشكلة تتجاوز نقص المعلومات.

فقد يعرف الإنسان الحق، لكنه يخشى أن يفقد مكانته إن اعترف به.

وقد يتبين له الصواب، لكنه يرفض الرجوع عن رأيه حفاظًا على صورته أمام الناس.

وقد يدرك أن موقفه قائم على مصلحة خاصة، لكنه يصر عليه ويبحث له عن المبررات.

فالمشكلة ليست دائمًا في غياب الدليل، وإنما قد تكون في النفس التي لا تريد الانقياد له.

لكن ينبغي أن نفرق بين التفرق المذموم بعد ظهور الحق وبين الاختلاف الاجتهادي الذي ينشأ عن تفاوت الفهم أو عدم وضوح الدليل.

فليس كل من خالفنا معاندًا، ولا كل اختلاف دليلًا على فساد النية.

ولهذا ينبغي أن تكون الآية بابًا لمحاسبة أنفسنا قبل أن نجعلها وسيلة للحكم على الآخرين.

فإذا ظهر لنا أننا أخطأنا، هل نرجع إلى الحق؟

وإذا تبين لنا أن خصمنا أصاب، هل نقبل الصواب منه؟

وإذا تعارضت مصلحتنا مع ما نعلم أنه واجب، أيهما نقدم؟

إن هذه الأسئلة تكشف أن العلم وحده لا يكفي إذا لم يصحبه إخلاص وتجرد واستعداد للاستجابة.

وهنا يأتي الانتقال القرآني البديع؛ فبعد الحديث عن التفرق، تعيدنا السورة إلى حقيقة الدين الذي أمر الله به عباده.

الدين القيم… حين يكون الإخلاص أصل العبادة

قال تعالى:

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

بعد أن تحدثت السورة عن البينة والتفرق، جاءت هذه الآية لتبين أصل الدين الذي أُمروا به.

فلم تكن دعوة الرسل قائمة على التعصب للأسماء والانتماءات، وإنما على عبادة الله وحده وإخلاص الدين له.

وتأمل ترتيب المعاني.

بدأت الآية بالغاية الكبرى:

﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: 5].

ثم بينت حال العابدين:

﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5].

ثم ذكرت من أعظم مظاهر الامتثال:

﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: 5].

فالعبادة تحدد الغاية التي خلق الإنسان من أجلها.

والإخلاص يقتضي إفراد الله بالدين والقصد والعبادة.

والحنيفية تعني الميل عن الشرك إلى التوحيد والاستقامة عليه.

ثم تأتي الصلاة والزكاة لتظهرا أن هذا الإيمان ليس مجرد معرفة نظرية أو دعوى قلبية، وإنما عبودية تتجلى في العمل.

فالصلاة من أعظم مظاهر خضوع العبد لربه، والزكاة عبادة مالية يظهر فيها امتثال أمر الله وأداء الحقوق التي فرضها للمستحقين.

ولم يذكرهما القرآن لحصر الدين فيهما، وإنما لعظيم شأنهما.

وهنا تظهر وحدة الدين في باطن الإنسان وظاهره.

فلا يستقيم أن يدعي الإنسان الإخلاص لله ثم يتعمد مخالفة أمره.

ولا يستقيم أن يؤدي العبادة طلبًا لثناء الناس، ثم يظن أنه حقق حقيقتها.

ولا يستقيم أن يرفع شعار التقوى، ثم يظلم الناس أو يضيع حقوقهم.

إن الإخلاص ليس كلمة تقال، وإنما عبودية يظهر أثرها في النية والعمل.

وتأمل أن السورة انتقلت من التفرق بعد ظهور البينة إلى الأمر بإخلاص الدين لله.

وهذا التناسب يفتح أمامنا معنى مهمًا؛ فحين تتقدم الأهواء والمصالح على طلب الحق، قد تتحول المعرفة إلى وسيلة للخصومة، أما الإخلاص لله فيدعو صاحبه إلى قبول الحق والعمل به.

ولا يعني ذلك أن كل اختلاف سببه غياب الإخلاص، وإنما أن صلاح القصد من أعظم ما يعين الإنسان على الاستجابة لله.

ثم تختم الآية بقوله:

﴿وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

وهنا تظهر لطيفة بيانية تستحق التأمل.

فقد قال الله في وصف ما يتلوه الرسول:

﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: 3].

ثم قال في وصف الدين الذي أُمروا به:

﴿وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

فالاستقامة حاضرة في وصف الوحي، وحاضرة في وصف الدين.

وحي مستقيم يدعو إلى دين مستقيم.

ومن هنا نفهم أن الاستقامة لا تكون بمجرد الانتساب إلى الدين أو رفع شعاراته، وإنما باتباع ما جاء به الوحي في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والمعاملات.

فمن دعا إلى العدل لا ينبغي أن يمارس الظلم.

ومن دعا إلى الأمانة لا ينبغي أن يخون.

ومن دعا إلى الإخلاص لا ينبغي أن يجعل دعوته وسيلة لتعظيم نفسه.

وهكذا يصبح الدين القيم منهجًا يضبط حياة الإنسان، لا مجرد شعائر يؤديها بمعزل عن بقية سلوكه.

حين تظهر حقيقة الخير والشر في ميزان الجزاء

بعد بيان البينة والدين الذي جاءت به، تنتقل السورة إلى الجزاء.

قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6].

ثم قال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7].

إنها مقابلة شديدة الوضوح بين الكفر الذي جاء عليه الوعيد، والإيمان الذي اقترن بالعمل الصالح.

وتأمل دقة التعبير.

ففي جانب الوعيد قال:

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 1، 6].

أما في جانب الوعد فقال:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البينة: 7].

فلم يحصر أهل الإيمان في جماعة ذات نسب أو أصل معين، وإنما جاء الوصف عامًا بالإيمان والعمل الصالح.

وهذا يذكرنا بأن الانتساب السابق لا يمنع الإنسان من الاستجابة للحق إذا آمن، وأن مجرد الاسم أو الانتماء لا يغني عن حقيقة الإيمان والعمل.

وفي هذا المقام لم يجعل القرآن معيار الخير قائمًا على المال أو السلطان أو المكانة الاجتماعية، وإنما على الإيمان والعمل الصالح.

وقد يملك الإنسان من أسباب الدنيا ما يجعله عظيمًا في أعين الناس، لكن ذلك لا يغني عنه عند الله إذا فقد الإيمان والعمل المقبول.

وقد يكون إنسان قليل المال أو الشهرة، لكنه عظيم القدر عند الله بإيمانه وتقواه.

غير أن هذه الأحكام الأخروية لا تمنح أحدًا حق ظلم الناس أو انتهاك حقوقهم، ولا تجعلنا نملك الحكم على مصير كل فرد بعينه.

فالله أعلم بعباده، وهو الذي يحكم بينهم بالحق والعدل.

والقرآن الذي بين عاقبة الإيمان والكفر هو نفسه الذي أمر بالعدل ونهى عن الظلم.

وهنا يظهر أثر السورة في تصحيح موازيننا.

فلا ينبغي أن نقيس قيمة الإنسان بمجرد ثروته أو نفوذه، ولا أن نجعل المظاهر الاجتماعية دليلًا على صلاحه عند الله.

وإنما علينا أن ننظر إلى ما أمر الله به من إيمان وتقوى وعمل صالح، مع حفظ حقوق الناس جميعًا.

من نعيم الجنة إلى رضوان الله

قال تعالى:

﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البينة: 8].

إنه جزاء عظيم.

جنات إقامة واستقرار، تجري من تحتها الأنهار، ونعيم لا ينقطع.

وقد جاء التأكيد بقوله:

﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البينة: 8].

ليقرر دوام هذا النعيم وتمام البشارة لأهله.

ولا يعني عدم ذكر كلمة «أبدًا» في الآية السابقة المتعلقة بأهل النار أن خلود من حكم الله عليهم بالخلود فيها مؤقت؛ فقد جاء التصريح بالخلود الأبدي في النار في مواضع أخرى من القرآن.

ثم تأتي منزلة أعظم من مجرد وصف النعيم:

﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: 8].

وهنا تبلغ السورة ذروة الوعد.

فأعظم ما يناله المؤمن ليس مجرد ما أعده الله له من النعيم، وإنما رضوان الله عنه.

قال تعالى:

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: 72] التوبة: 72.

وتأمل هذا التعبير:

رضي الله عنهم.

ورضوا عنه.

رضا من الله تفضلًا وإكرامًا لعباده المؤمنين، ورضا منهم بما أعده لهم من الفضل والنعيم والكرامة.

وهذا يعيد ترتيب غايات الإنسان.

فكم من إنسان يقضي عمره يطلب رضا الناس، حتى يصبح أسيرًا لما يقولونه عنه!

وقد يتنازل عن الحق خشية أن يفقد مكانته بينهم.

وقد يقدم مصالحهم أو أهواءهم على ما يعلم أنه واجب عليه.

لكن السورة تذكرنا بأن الغاية الكبرى هي رضا الله.

ولا يعني ذلك إهمال مشاعر الناس أو حقوقهم، وإنما ألا نجعل رضاهم مقدمًا على طاعة الله.

فمن سعى إلى رضا الله بالحق والعدل والإحسان فقد سلك الطريق المستقيم، ولو لم يرض عنه كل الناس.

ثم تأتي خاتمة السورة التي تجمع معانيها كلها.

﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8]… حين تتحول المعرفة إلى استجابة

لم تختم السورة بذكر الجنة وحدها، ولا بالخلود، ولا حتى بالرضا، وإنما ختمت بقوله تعالى:

﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8].

وهذا الختام من أعظم ما يستوقف المتأمل.

فالسورة بدأت بالبينة التي تكشف الحق، وانتهت بالخشية التي تحمل صاحبها على الاستجابة له.

والخشية ليست مجرد خوف عابر، وإنما خوف مقرون بمعرفة الله وتعظيمه، يظهر أثره في الطاعة والعمل الصالح.

قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] فاطر: 28.

فالعلم النافع ينبغي أن يقود إلى الخشية.

والخشية الصادقة ينبغي أن تقود إلى العمل.

وهنا نفهم لماذا لم يكن مجرد ظهور البينة كافيًا لاستجابة جميع الناس.

فقد يعرف الإنسان الحق، لكنه لا يريد أن يتخلى عن هواه.

وقد يعلم الصواب، لكنه يخشى الناس أكثر مما يخشى الله.

وقد يدرك ما يجب عليه، لكنه يؤخر العمل حتى تفوته الفرصة.

أما من خشي ربه، فإن خشيته تدفعه إلى الإخلاص، وتحمله على أداء العبادة، وتعينه على حفظ الحقوق، وترده إلى الحق إذا تبين له خطؤه.

وهكذا تتصل بداية السورة بنهايتها.

البينة تكشف الحق.

والإخلاص يصحح القصد.

والعبادة والعمل يصدقان الاستجابة.

والخشية تحمل الإنسان على الثبات على طريق الله.

ثم يكون الجزاء بفضل الله ورحمته وعدله.

ومن لطائف هذا البناء أن السورة بدأت بما جاء من عند الله:

﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [البينة: 2].

ثم بينت ما أمر الله به عباده:

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: 5].

ثم انتهت بما أعده الله لهم:

﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البينة: 8].

فمن الله تأتي الهداية، ولله تكون العبادة، وعند الله يكون الجزاء.

وهذا المعنى يجمع السورة في خيط واحد، ويكشف وحدتها من أولها إلى آخرها.

سنة إقامة الحجة ومسؤولية الاستجابة

إذا جمعنا مشاهد السورة، ظهر لنا أن من أعظم السنن التي تقررها سنة إقامة الحجة ومسؤولية الإنسان عن الاستجابة للحق.

فالله أرسل رسله وأنزل وحيه، وبين لعباده ما أمرهم به، ولم يجعل الدين قائمًا على الأهواء والتصورات البشرية وحدها.

لكن ظهور الحق لا يستلزم أن يستجيب له كل من بلغه.

فقد تتدخل الأهواء والمصالح والعادات والتعصب، فيعرض الإنسان عما عرفه من الحق.

وهنا ينبغي أن نميز بين من ظهرت له الحجة فأعرض عنها، ومن لم تبلغه أو لم تتضح له، ومن وقع في اختلاف اجتهادي معتبر.

فحساب العباد عند الله، وهو أعلم بأحوالهم، ولا يظلم أحدًا.

أما الدرس الذي ينبغي أن نأخذه لأنفسنا، فهو أن المعرفة مسؤولية.

فإذا عرفنا الحق، لم يعد يكفينا أن نتحدث عنه دون أن نعمل به.

وإذا علمنا أن الظلم محرم، وجب أن نجتنبه.

وإذا علمنا أن الأمانة واجبة، وجب أن نؤديها.

وإذا تبين لنا خطؤنا، وجب أن نراجع أنفسنا ونتوب ونصلح ما أفسدناه.

وهذا لا يقتصر على الأفراد.

فالمؤسسات والمجتمعات والدول قد تعرف مواضع الخلل في أعمالها، لكنها تؤخر الإصلاح حفاظًا على مصالح بعض القائمين عليها.

وقد تعلم أن العدل واجب، ثم تتساهل في حقوق الناس حين تتعارض مع مصالحها العاجلة.

وهذه أمثلة على الفجوة بين المعرفة والعمل، لا تفسير مباشر للآيات.

ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي لا يكتفي بتشخيص الأخطاء، وإنما يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بها، ورد الحقوق، وتصحيح القرارات، وبناء وسائل تمنع تكرار الظلم.

فالمعرفة التي لا تتحول إلى عمل تبقى ناقصة الثمرة.

وهكذا تصبح سورة البينة دعوة دائمة إلى مراجعة علاقتنا بالحق.

هل نطلبه بصدق؟

وهل نقبله حين يظهر لنا؟

وهل نعمل بمقتضاه ولو خالف أهواءنا ومصالحنا؟

ختامًا

تبدأ سورة البينة بظهور الحجة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تكشف أن التفرق المذموم قد يقع بعد مجيء الحق.

وبعد ذلك تعيد الإنسان إلى أصل الدين:

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5].

ثم تبين أن الجزاء عند الله، وأن الفلاح بالإيمان والعمل الصالح، وأن أعظم ما يناله المؤمن رضوان ربه.

وتختم بالخشية، لتقرر أن المعرفة التي لا تؤثر في القلب ولا تظهر في العمل لم تحقق ثمرتها المرجوة.

إنها سورة تعلمنا أن السؤال ليس فقط: ماذا نعرف من الحق؟

بل: ماذا فعلنا بالحق الذي عرفناه؟

هل استجبنا له؟

هل أخلصنا لله في عبادتنا؟

هل ظهرت آثار إيماننا في أمانتنا وعدلنا وحفظنا لحقوق الناس؟

وهل أصبح رضا الله أعظم عندنا من رضا الخلق؟

لقد جاءت البينة لتكشف الطريق، وجاء الأمر بالإخلاص ليبين كيف نسلكه، وجاء الوعد والوعيد ليذكرانا بعاقبة الاختيار.

فطوبى لمن عرف الحق فاتبعه، وعمل بما علم، وأخلص لله في عبادته، وخشي ربه في سره وعلانيته.

ولتبقَ خاتمة السورة حاضرة في قلوبنا:

﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8].

فاللهم ارزقنا علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، وعملًا صالحًا متقبلًا، واجعلنا ممن رضيت عنهم ورضوا عنك.

والحمد لله رب العالمين.

شارك المقال