سنن التنزيل
مقال

«لكنني لم أقل إلا الحقيقة!»… وهل كل حقيقة قول سديد؟

  • دقيقتان للقراءة
  • 3 آيات

القول السديد يتجاوز مجرد صدق الكلمة إلى مراعاة موضعها ومقصدها وأثرها، حمايةً لسلامة القلوب وإصلاحاً لذات البين من فتن النقل وتتبع الكلام.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: 70–71]

[الأحزاب: ٧٠-٧١].

تأمل أن القرآن لم يقل: قولوا قولًا صادقًا فحسب، وإنما قال:

﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70].

فالصدق أساس لا يُستغنى عنه، لكن السداد أوسع.

قد تكون الكلمة صحيحة في ذاتها، ومع ذلك لا تكون سديدة في موضعها، أو مقصدها، أو الطريقة التي قيلت بها، أو الأثر الذي ستتركه.

ولهذا ربطت الآية بين سداد القول وإصلاح العمل:

﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: 71].

فاللسان ليس شيئًا منفصلًا عن صلاح حياتنا؛ كلمة تصلح، وكلمة تفسد، وكلمة تجمع قلبين، وأخرى تهدم بينهما سنوات من المودة.

ومن هنا نفهم حديث نبينا محمد ﷺ حين سأل أصحابه:

«أتدرون ما الغيبة؟»

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: «ذكرك أخاك بما يكره».

قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟

قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته».

وهنا تسقط عبارة نرددها دفاعًا عن أنفسنا:

«لكنني لم أقل إلا الحقيقة!»

نعم، قد تكون حقيقة؛ ولهذا كانت غيبة.

ولو لم تكن فيه لكانت بهتانًا.

فليس السؤال فقط:

هل ما قلته صحيح؟

بل:

هل كان قوله سديدًا؟

ثم إن القرآن لا يحمّل المسؤولية لمن بدأ الكلام وحده، بل يربي مجتمعًا كاملًا على حماية أعراض الناس وقلوبهم.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]

[الحجرات: ٦].

فالمشكلة ليست دائمًا في من قال فقط، بل قد تكون أشد في من حمل ما قيل.

قد يقول إنسان كلمة في مجلس ثم تنتهي، فيأتي آخر فيحملها إلى صاحبها، وربما يضيف إليها تفسيره وظنه ونبرته، حتى تصل الكلمة أكبر مما خرجت.

ومن فقه السلف في إغلاق هذا الباب ما رُوي عن وهب بن منبّه: أن رجلًا جاءه فقال: إن فلانًا يشتمك، فقال له:

«ما وجد الشيطان رسولًا غيرك؟»

ما أعمق هذا الرد.

فهو لم يسمح للكلمة أن تستقر في قلبه وتبدأ عملها.

وكأن المعنى:

قد يرمي إنسان سهمًا فلا يبلغ قلبك، ثم يأتي الناقل فيلتقط السهم ويحمله إليك ويغرسه في قلبك.

القائل مسؤول عن السهم الذي أطلقه، والناقل مسؤول عن حمله وإيصاله.

بل قد يصبح الناقل أخطر؛ لأن الكلمة ربما كانت ستموت في مجلسها، فأعطاها هو حياة جديدة.

وهنا تتحول المسألة من غيبة ونميمة إلى شيء أخطر:

إفساد ذات البين.

وقد حذّر نبينا محمد ﷺ من فساد ذات البين ووصفها بأنها «الحالقة»، وجاء في بيانها:

«لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين».

فكم من أخوين كان بينهما ود، ثم جاء ثالث يحمل لهذا كلام ذاك، ولهذا كلام هذا، حتى امتلأ القلبان بما لم يكونا يعلمان!

وكم من علاقة لم تهدمها الكلمة حين قيلت، وإنما هدمها من أصر أن تصل.

ومن هنا تصبح المسؤولية ثلاثية:

القائل مسؤول عما قال.

والناقل مسؤول عما حمل.

والمتلقي مسؤول عما فتح له قلبه وسمعه.

ولو أننا حين جاءنا ناقل الكلام لم نسأله:

ماذا قال عني؟

بل سألناه:

لماذا نقلت إليَّ هذا؟ وما الخير الذي سيترتب على معرفتي به؟

لانطفأت فتن كثيرة قبل أن تبدأ.

فالقول السديد ليس مجرد معلومة صحيحة.

إنه كلمة صحيحة، في موضعها الصحيح، بالمقصد الصحيح، وبالطريقة التي تصلح ولا تفسد.

ولهذا بدأ الأمر بالتقوى:

﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 70]

ثم جاء ضبط اللسان:

﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70]

ثم جاءت الثمرة:

﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: 71].

تقوى في القلب، وسداد في اللسان، وصلاح في العمل.

هذه هي الحركة التي ترسمها الآية.

فلا تكن حامل النار من مجلس إلى مجلس، بل كن ممن يطفئونها.

وقد يكون إصلاح ذات البين بكلمة تقولها، وقد يكون أحيانًا بكلمة تسمعها ثم تدفنها في مجلسها، فلا تسمح لها أن تسافر إلى قلب آخر.

ختامًا، حين تقول:

«لكنني لم أقل إلا الحقيقة!»

تذكر أن القرآن يطلب منك سؤالًا أكبر:

هل كان ما قلته قولًا سديدًا؟

شارك المقال