سورة الانشقاق… كلُّ الطريق إلى ربك
سورة الانشقاق تضع الإنسان أمام حقيقة مسيره الحتميّ نحو ربه، مذكرةً بأن الحياة كدحٌ مستمر ينبغي توجيهه للنجاة قبل طي صحائف الأعمال ولقاء الجزاء.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
سورة الانشقاق… كلُّ الطريق إلى ربك
بعد أن أخذتنا سور التكوير والانفطار والمطففين إلى مشاهد القيامة، وكشفت لنا العمل والكتاب والجزاء، تأتي سورة الانشقاق لتضع الإنسان أمام حقيقة أعمق:
أنت لا تنتظر الآخرة فقط… أنت تسير إليها الآن.
كل يوم يمضي بك.
كل عمل يحمله معك.
كل مرحلة تنقلك إلى مرحلة.
وكل هذا السير له اتجاه واحد لا يتغير:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: 6].
لكن السورة لا تبدأ بالإنسان.
تبدأ بالكون.
السماء التي نراها فوقنا ثابتة ستنشق.
والأرض التي نمشي عليها ونبني فوقها ونودع فيها موتانا ستُمد، وتلقي ما فيها وتتخلى.
ثم تتكرر العبارة نفسها مرتين:
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: 2، 5].
أذنت: استمعت وانقادت.
السماء أذنت لربها.
والأرض أذنت لربها.
لا امتناع.
لا اعتراض.
لا تأخر عن أمر الله.
وهنا يبدأ أول سؤال للإنسان قبل أن يُذكر اسمه:
إذا كانت السماء على عظمتها، والأرض على سعتها، تنقادان لأمر ربهما، فما بال الإنسان يعاند أمر خالقه؟
الكون يعرف موقعه من ربه.
أما الإنسان فقد أُعطي مساحة الاختيار والابتلاء، ولذلك سيأتي السؤال في نهاية السورة:
في البداية:
﴿أَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ [الإنشقاق: 2، 5].
وفي النهاية:
﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: 21].
وهنا تمتد هندسة السورة من أولها إلى آخرها:
الكون استجاب لأمر الله… فهل يستجيب الإنسان لكلام الله؟
ثم يأتي النداء الذي يختصر رحلة العمر:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾ [الإنشقاق: 6].
ليس المؤمن وحده.
ولا الكافر وحده.
إنه الإنسان.
﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا﴾ [الإنشقاق: 6].
الكدح سعي وجهد ومشقة.
والقرآن لا يعد الإنسان بحياة لا تعب فيها.
المؤمن يتعب.
وغير المؤمن يتعب.
طالب العلم يتعب.
وطالب المال يتعب.
ومن يبني أسرته يتعب.
ومن يطارد شهوته يتعب.
ومن يحمل الحق يتعب.
ومن يحارب الحق يستهلك عمره أيضًا.
الجميع ينفق من العمر.
لكن السؤال ليس:
هل ستتعب؟
بل:
فيمَ ستستهلك تعبك؟
كم من إنسان أمضى عمره كله يكدح، ثم اكتشف أنه كان يكدح لما سيتركه!
وكم من إنسان تحمل مشقة محدودة فوجد أثرها ينتظره عند الله!
وهذه الآية تعيد بناء مفهوم التربية في بيوتنا.
ليس من الرحمة بأبنائنا أن نوهمهم أن الحياة الناجحة حياة بلا مشقة، ولا أن نجعل الراحة هي القيمة العليا التي تدور حولها حياتهم.
العلم يحتاج إلى كدح.
والعبادة تحتاج إلى مجاهدة.
والأسرة تحتاج إلى صبر.
والرزق الحلال يحتاج إلى سعي.
وبناء المجتمع يحتاج إلى مسؤولية.
والقيام بالحق يحتاج إلى ثبات.
فليست الحكمة أن نهرب من كل كلفة، وإنما أن نتعلم:
أي كدح يستحق أن نبذل فيه أعمارنا؟
ثم تأتي النهاية المحتومة:
﴿فَمُلَاقِيهِ﴾.
لقد اختلف أهل التفسير في عود الضمير؛ فقيل: فملاقي ربك، وقيل: ملاقي كدحك وعملك وجزاءه.
وفي كلا الوجهين حقيقة تهز القلب:
الرحلة ليست سائبة، والكدح ليس ضائعًا.
أنت سائر إلى ربك، وستلقى ما قدمت.
وهنا تتحول الأيام إلى معنى مختلف.
نحن لا نمضي في العمر فقط.
نحن نكتب ونحن نمضي.
العمر ينقص.
والصحيفة تزيد.
ثم تأتي النتيجة:
هذا هو الكدح حين يصل بصاحبه إلى النجاة.
والحساب اليسير كما بيّن نبينا محمد ﷺ هو العرض؛ أما من نوقش الحساب فإنه يعذب.
وهنا يتعلم المؤمن ألا يغتر بعمله.
نعم، اعمل.
واجتهد.
واكدح.
لكن لا تجعل عملك مصدر عجبك.
فنحن نرجو بعد العمل رحمة الله، ونرجو حسابًا يسيرًا وسترًا وتجاوزًا.
ثم:
﴿وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: 9].
سرور بعد النجاة.
لكن بعد آيات قليلة سنقرأ عن إنسان آخر:
﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: 13].
مسرورًا ↔ مسرورًا.
والأهل حاضرون في المشهدين.
فهل السرور مذموم؟
لا.
فالقرآن نفسه جعل السرور من جزاء الناجي.
لكن المشكلة تظهر في الآية التالية:
﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 14].
كان يفرح وكأنه لن يرجع.
ويعيش وكأن الدنيا نهاية القصة.
إذن ليست المشكلة أن تفرح.
المشكلة أن ينسيك الفرح الرجوع إلى الله.
وهذه قاعدة مهمة في بيوتنا.
لسنا مطالبين أن نصنع بيوتًا حزينة حتى تكون مؤمنة.
نضحك.
ونفرح.
ونتنعم بالحلال.
ونجتمع بأهلنا.
لكن يبقى داخل البيت معنى لا يغيب:
نحن إلى الله راجعون.
فالأسرة قد تكون مكانًا يعين الإنسان على رحلته إلى الله، وقد تتحول إلى دائرة مغلقة من الاستهلاك واللهو والغفلة.
والسؤال ليس فقط: هل نحن سعداء في بيوتنا؟
بل:
إلى أين يقودنا هذا البيت؟
ثم تعرض السورة المشهد الآخر:
الصحيفة التي كان يستطيع إصلاحها في الدنيا أصبحت صحيفة يدعو عند تلقيها بالهلاك.
وهنا تظهر حقيقة قاسية:
ما دام الكتاب يُكتب، تستطيع أن تغيّر ما سيأتي فيه.
أما إذا أُعطي الكتاب فقد انتهى زمن العمل وبدأ زمن الجزاء.
ثم يكشف القرآن أصل الخلل:
﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 13–14].
ظن أنه لن يرجع.
وكأن وراء كثير من الغفلة وهمًا دفينًا:
لن أحاسب.
قد لا يقوله الإنسان بلسانه، لكن بعض الناس يعيشونه بأعمالهم.
يظلم وكأنه لن يرجع.
ويأكل حق غيره وكأنه لن يرجع.
ويؤذي أهله وكأنه لن يرجع.
ويستعمل سلطته وكأنه لن يرجع.
ويخون الأمانة وكأنه لن يرجع.
وتزداد خطورة هذا الوهم كلما ازدادت قدرة الإنسان.
فالأب مسؤول.
وصاحب المال مسؤول.
والمعلم مسؤول.
وصاحب المؤسسة مسؤول.
وصاحب القرار مسؤول.
والقدرة لا تلغي الحساب، بل توسع دائرة الأمانة.
ثم تأتي كلمة واحدة تهدم الوهم كله:
﴿بَلَىٰ﴾.
﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: 14–15].
هو ظن.
وربه كان به بصيرًا.
وما أبعد المسافة بين ظن الإنسان وعلم الله.
قد يظن أنه أفلت.
قد يظن أن أحدًا لم يره.
قد يظن أن الزمن طوى القضية.
لكن:
﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: 15].
لم يغب عنه المشهد.
ولم يضع العمل.
ولم تُنسَ المظلمة.
ثم تقسم السورة بمشاهد من %