سنن التنزيل
دراسةُ سورة التين

أحسن تقويم… أين يمضي الإنسان؟

  • 3 دقائق للقراءة
  • 9 آيات

خلقة الإنسان وتقلب أطواره بين القوة والضعف يفرضان صيانة كرامة العاجزين واستثمار طاقات البدن في الإيمان والعمل الصالح قبل يوم الحساب.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 1–4].

في سورة الشرح خاطب الله نبينا محمدًا ﷺ بنعم خصه بها، ثم تأتي سورة التين فتفتح النظر إلى الإنسان في أصل خلقته ومآله. أقسم الله، ثم جعل جواب القسم هذه الحقيقة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]. فمن أين جاء هذا التقويم؟ وماذا يصنع الإنسان به؟ وإلى أين تنتهي به أحواله؟

في مطلع السورة التين والزيتون، وقد حملهما بعض المفسرين على الثمرتين المعروفتين، ورأى آخرون فيهما إشارة إلى منابتهما وما ارتبط بها من بقاع. ثم ﴿طُورِ سِينِينَ﴾ [التين: 2]، الطور المرتبط بموسى عليه السلام، و﴿هَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 3]، مكة التي يعرفها المخاطبون ويعرفون حرمتها. اختلفت الأنظار في بعض تفصيلات القسم، لكن لا خلاف في أن جوابَه ينقل السامع إلى عجيب صنع الله في الإنسان.

لم تقل السورة إن الإنسان خلق نفسه أو صنع قدراته؛ قالت: ﴿خَلَقْنَا﴾. وتقويمه نعمة من ربه: في خلقه وتسويته، وما أتيح له من فهم وقدرة على العمل. فلا يحمل ذلك على الغرور بصورته، ولا يجعل اختلاف أجساد الناس أو قدراتهم سببًا للتعالي عليهم. فالآية تخاطب جنس الإنسان، ومن وهب النعمة هو الله.

وحين ينظر المرء إلى قوته في شبابه قد يظن أنها ملك ثابت لا يتغير. تأتي الآية التالية فتوقظه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5]. اختلف المفسرون في المراد بهذا الرد؛ فمنهم من فسره بأرذل العمر، حيث يتحول الإنسان بعد قوة إلى ضعف، وقد يعجز عما اعتاده من عمل. ومنهم من فسره بالنار، مآلًا لمن انتهى إلى التكذيب. ولكل وجه صلته بما بعده، فلا يصح إغفال أحدهما أو خلط ضعف الشيخوخة بسوء المصير الأخروي.

وعلى وجه أرذل العمر، تُرينا السورة حقيقة يشاهدها الناس: الإنسان الذي أحكم الله خلقه لا يملك إبقاء شبابه. قد يحتاج بعد استقلاله إلى من يعينه، وقد يعجز لسانه أو يده عما ألفه من عبادة وعمل. لكن الآية لا تجعل الضعف حكمًا على كرامته، ولا تقول إن المؤمن إذا قلت قدرته قل قدره عند الله. بل يأتي الاستثناء حاملًا بشارة له: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 6]. فالأجر لا يضيع لمجرد أن الجسد لم يعد يطيق ما كان يطيقه.

وهنا يمتحن تدبرُنا معاملتَنا للكبار. يسهل أن نذكر فضل آبائنا وأمهاتنا حين يكونون قادرين على العطاء، ثم يضيق بعضنا بطلبهم حين يحتاجون إلى المساعدة. وتعلّمنا السورة، على هذا الوجه من التفسير، أن القدرة تتغير، وأن العمل السابق لا يمحوه العجز اللاحق. فمن حق الكبير علينا صيانة ماله وقراره بقدر استطاعته، والرفق به في الحديث، وتيسير رعايته دون إذلال. وعلى الأسرة والمؤسسات أن تنظر إلى حاجته بوصفها حقًا في الرعاية والكرامة، لا عبئًا يمحو تاريخه.

وعلى وجه تفسير ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5] بالنار، يظهر معنى آخر: أن حسن الخلقة وحده لا يغني عن الإيمان والعمل الصالح، وأن للإنسان مصيرًا يُسأل فيه عما آتاه الله. يأتي الاستثناء ليفصل بين من آمن وعمل، ومن انتهى إلى ذلك المآل. فالتقويم الذي أكرم الله به الإنسان يدعوه إلى شكر خالقه والعمل بما يرضيه، ولا يعطيه حصانة من الحساب.

وفي الوجهين لم تقل الآية: «إلا الذين آمنوا» وتسكت، بل قالت: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: 6]. يظهر أثر الإيمان في فعل الخير بحسب ما يقدر عليه صاحبه. فالقادر يسأل نفسه عمّا يصنع بوقته وماله وعلمه وسلطته، ومن ضعفت قدرته لا يُطالب بما عجز عنه. ولنا كذلك مسؤولية تجاه من يحتاج إلى عوننا؛ فلا نكرم الإنسان بلساننا ثم نسلبه حقه إذا افتقر أو مرض أو كبر.

﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 6]: أجر لا يُنقصه الله ولا يقطعه. وعلى تفسير الآية بأرذل العمر، تتجلى البشارة لمن حال ضعفه بينه وبين عمل اعتاده في صحته. وعلى تفسيرها بالجزاء الأخروي، يظهر دوام ما أعد الله لأهل الإيمان والعمل الصالح. وفي الحالين لا يصبح ظاهر الإنسان في لحظة من حياته هو الميزان الأخير لعمله.

ثم تسأل السورة: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7]. وقد حمل بعض المفسرين الخطاب على النبي ﷺ: فمن يكذبك بعد هذه الحجج بالجزاء؟ وحمله آخرون على الإنسان المكذّب: ما الذي يحملك على إنكار الحساب بعد أن رأيت آيات قدرة الله في خلقك وتقلب أحوالك؟ و«الدين» هنا هو الجزاء والحساب. لا تترك السورة الإنسان عند مشهد الخلق أو الضعف؛ بل تسوقه إلى ما بعدهما، حيث يظهر عدل الله فيما عمل الناس وما لاقوه.

وتختم بقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8]. بلى؛ هو أحكم من خلق، وأحكم من يحكم بين عباده. قد يملك إنسان قوةً يظلم بها غيره، وقد يعمل آخر خيرًا لا يعرفه الناس، وقد يضعف مؤمن بعد عمر قضاه في الطاعة. لا تختزل صورة واحدة من هذه الصور حكم الله عليهم؛ فعنده الجزاء الذي لا يضيع معه حق ولا عمل.

ختامًا، بدأت سورة التين بإحكام الخلق وانتهت بإحكام الحكم. وبينهما إنسان تتغير قوته، ويُسأل عن إيمانه وعمله، ولا يضيع أجره عند ربه. فلنستعمل ما آتانا الله من قدرة في الخير ما دمنا نملكها، ولنحفظ كرامة من ضعفت قدرته، ولنذكر أن ميزان الجزاء الأخير بيد ﴿أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: 45].

شارك المقال