سنن التنزيل
دراسةُ سورة التكاثر

سورة التكاثر… حين يلهينا العدُّ عمّا سنُسأل عنه

  • 3 دقائق للقراءة
  • 8 آيات

سباق التكاثر يغرق الإنسان في مضاهاة غيره بالزيادة حتى يباغته الموت، صارفاً قلبه عن شكر نعم الله المؤتمن عليها والاستعداد للسؤال عنها.

قال الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ۝ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ۝ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ۝ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ۝ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ۝ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 1–8].

في سورة القارعة وقفنا أمام الموازين وما يترتب على ثقلها أو خفتها. ثم تأتي سورة التكاثر فتواجهنا بما قد يصرف الإنسان عن الاستعداد ليوم الميزان: ينشغل بأن يكون أكثر، حتى يستغرقه العدّ والمفاخرة، وينسى ما سينفعه حين ينتهي وقت العمل.

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: 1]. تبدأ السورة بتشخيصٍ مباشر. لم تقل إن المال ألهانا، أو إن كثرة الأولاد ألهتنا، بل سمّت الداء الذي يمكن أن يدخل في هذا كله: التكاثر. أن يصبح اهتمام الإنسان منصرفًا إلى الزيادة، ثم إلى مضاهاة غيره: مَن أكثر مالًا؟ ومَن أوسع نفوذًا؟ ومَن أشد حضورًا بين الناس؟

وقد يطلب الإنسان شيئًا يحتاجه بحق، ويجتهد ليكفي أهله ويقوم بمسؤولياته؛ فهذا من عمله في الحياة. لكن الطلب يتحول إلى لهو حين لا تعود الحاجة هي التي تحدده، بل المقارنة. ينال المرء ما كان يتمناه، فلا يكاد يلتفت إليه حتى يرى ما عند غيره. وهكذا لا يعود للسعي حدٌّ يطمئن عنده القلب، لأن الغاية تتغير كلما تقدم خطوة.

ولم تعيّن الآية ما الذي ألهاهم التكاثر عنه. فيقف كل واحد منا أمام السؤال: ما الذي أُخّر في حياتي لأنني منشغل بالزيادة؟ أهي صلاةٌ لا تجد وقتها، أو حقٌّ لغيري أؤجل أداءه، أو قرآنٌ أسمعه ولا أعمل به، أو نعمةٌ لا أتفرغ لشكرها؟ قد تتغير صورة التكاثر من زمن إلى زمن، ويبقى أثره واحدًا: أن يملأ المشغولُ به قلبَ الإنسان ووقته، فيصرفه عمّا هو أولى.

ثم تأتي نهاية اللهو في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: 2]. لم يقل: حتى شبعتم من التكاثر، لأن الإنسان قد لا يشبع منه. ظل الانشغال ممتدًا حتى أدركه الموت. وسُمّي الوصول إلى المقابر زيارةً؛ فالمقام فيها ليس نهاية المصير، بل وراءه بعثٌ وحساب.

كم من أمرٍ نتعامل معه كأنه ينتظرنا إلى وقتٍ نختاره: سأتوب حين أفرغ، وأرد الحق حين تتحسن أحوالي، وأصل رحمي بعد أن أنتهي مما أنا فيه. لكن التكاثر لا يعلن لأحد أنه انتهى، والموت لا ينتظر حتى يطمئن الإنسان إلى أنه جمع ما يكفيه. ولهذا توقظنا الآية ونحن ما زلنا نملك أن نغيّر ما يشغلنا.

﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: 3–4]. يتكرر الردع والوعيد بعد ذكر المقابر. هناك علمٌ قادم يكشف للإنسان حقيقة ما أمضى عمره فيه. والتكرار يهزّ من ألف تأجيل المراجعة؛ فلا يتركه يقول مرةً أخرى: «سأنظر في أمري لاحقًا».

ثم تقول السورة: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: 5]. نحن نعرف أن الموت حق، ونردد أن الحساب حق، لكن المعرفة قد تبقى على اللسان ولا تدخل في ترتيب يومنا وقراراتنا. لو صار هذا العلم يقينًا حاضرًا في القلب، لما تركنا التكاثر يقودنا حتى المقابر ونحن نؤخر ما نعلم أنه أولى.

ويأتي بعد خبر العلم مشهد الرؤية: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ۝ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: 6–7]. ما يخبرنا به الوحي اليوم سيصير عيانًا. لا تحتاج السورة أن تحدد لنا موضع كل رؤية حتى تبلغنا رسالتها: قبل أن يأتي يوم الرؤية، لا يزال أمامنا وقت نؤمن فيه بخبر الله، ونغيّر به أعمالنا.

ثم تختم السورة بسؤال النعيم: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8]. بعد أن حذّرت من التكاثر، لم تقل إن السؤال سيكون عن مظاهر الثراء وحدها. النعيم أوسع مما يظنه من اعتاد ما بين يديه؛ فقد يكون ماءً يشربه، وطعامًا يجده، وصحةً تعينه، وأمنًا يألفه، أو وقتًا يستطيع أن يعمل فيه خيرًا.

وحين سأل الزبير رضي الله عنه عن النعيم الذي سيُسألون عنه، وذكر التمر والماء مما كان عندهم، أجابه نبينا محمد ﷺ بما يثبت أن السؤال آتٍ. فلا نستصغر نعمةً لأنها صارت مألوفة، ولا نظن أن الحساب عن النعيم شأن أهل الثراء وحدهم.

غير أن السؤال عن النعمة لا يجعلها موضع اتهام. رزق الله يُشكر ويُنتفع به، ونطلب منه الخير لأنفسنا ولمن نعول. إنما نسأل: هل عرفنا المنعم؟ وهل استعملنا ما أعطانا في حق؟ وهل أدينا حقوق الناس منه؟ فالخلل ليس أن يملك الإنسان نعمة، بل أن يلهيه التفاخر بها عن شكرها، أو يجعل ما في يده سببًا لاستعلائه على من لا يملك مثلها.

وفي واقعنا تتسع دوائر التكاثر. قد يتفاخر فرد بما يجمع، وقد تتنافس جماعة أو مؤسسة فيما تعرضه من أعداد وإنجازات، ثم تهمل السؤال عن نفع ما تصنع وعدله. وليس العلاج أن نهجر العمل أو نحتقر القدرة والنجاح؛ بل أن نردّها إلى غايتها. ننظر فيما نكسب وكيف نكسبه، وفيما ننفق ولمن يصل أثره، وفي الحقوق التي لا يجوز أن نخفيها وراء صورة النجاح.

ويبدأ العلاج من مراجعة صادقة: ما الذي أطلب زيادته الآن؟ هل أحتاجه لأقوم بواجب أو أنفع به أحدًا، أم أطلبه لأسبق غيري في أعين الناس؟ ثم لا نبقي الجواب في القلب وحده؛ نؤدي حقًّا مؤجلًا، ونفتح في وقتنا موضعًا للعبادة والقرآن، ونشكر نعمةً حاضرة باستعمالها في الخير. كلما قطعنا على التكاثر طريقًا كان يلهينا، استعدنا شيئًا من أعمارنا لما خُلقنا له.

ختامًا، بدأت سورة التكاثر بإنسانٍ ألهاه العدّ والمفاخرة، وسارت به إلى المقابر، ثم أيقظته بخبر العلم والرؤية والسؤال عن النعيم. فما نجمعه في الدنيا لا ينبغي أن يُنسينا أن أيامنا نفسها معدودة، وأننا سنُسأل عمّا أُعطينا. فلنطلب الرزق من حق، ولننتفع بالنعم ونؤدِّ حقها، ولنجعل سؤالنا قبل يوم السؤال: هل قرّبني ما ازددتُه من طاعة الله ونفع الناس، أم زادني لهوًا؟

شارك المقال