سورة العصر… ميزان العمر وطريق النجاة من الخسر
سورة العصر تقدم ميزانًا حاسمًا لنجاة الإنسان من خسران العمر، عبر ربط صدق الإيمان والعمل بمسؤولية التواصي المتبادل على لزوم الحق ومساندة الصابرين.
ثلاث آيات لا تسرد قصةً ولا تفصّل حادثة، لكنها تضع حياة الإنسان كلها أمام سؤال واحد: ما الذي ينجيه من الخسر؟
تبدأ السورة بالقسم بالعصر. ومن المعاني التي يفتحها هذا القسم أن ينتبه الإنسان إلى عمره؛ إلى الأيام التي تجري فيها أعماله، والفرص التي لا يملك استعادة ما فات منها. لكن السورة لا تجعل الزمن خصمًا ينبغي أن نسبقه، ولا تجعل مجرد الانشغال دليلًا على حسن اغتنامه. فالإنسان قد يملأ يومه حركةً، ويجمع فيه مالًا، ويحقق ما يعدّه الناس نجاحًا، ثم يحتاج أن يسأل: إلى أين تقودني هذه الحركة؟
يأتي جواب القسم حاسمًا: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2]. والحكم هنا يدعو كل واحد منا إلى أن يعرض نفسه على ميزان السورة، بدل أن يطمئن إلى ما يملكه أو إلى الصورة التي يراها الناس له. والتعبير بـ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] يصوّر شدة الخسر، كأن الإنسان واقع فيه، ثم يأتي الاستثناء ليفتح له طريق الخروج.
وهنا تنعطف السورة من التحذير إلى الهداية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]. لم تترك الإنسان يبحث عن معنى النجاة في كل اتجاه؛ بل جمعت له ما يقوم عليه طريقها في أربع خصال مترابطة.
تبدأ بالإيمان؛ لأنه يوجّه القلب، ويصل الإنسان بربه، ويضبط نظرته إلى نفسه ودنياه وآخرته. ثم يأتي العمل الصالح؛ فيظهر أثر ما استقر في القلب في عبادة الإنسان وأمانته وعدله ومعاملته للناس. وليس العمل الصالح أمرًا يؤجل حتى تتسع القدرة أو تتغير الظروف؛ لكل إنسان منه باب فيما آتاه الله، وفي الحقوق التي بين يديه اليوم.
ثم تقول السورة: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر: 3]. لم تكتفِ بأن يؤمن كل امرئ ويعمل وحده، بل جعلت من صفات الناجين أن يُذكّر بعضهم بعضًا بالحق. وفي لفظ التواصي معنى التبادل: أنت تنصح وتحتاج من ينصحك، وتذكّر وقد تغفل فتحتاج من يذكّرك. فلا يتعالى أحد بنصيحته، ولا يرى أحد نفسه فوقها.
وما أحوجنا إلى هذا المعنى في بيوتنا ومجالسنا ومؤسساتنا. قد نسكت عن خطأ خوفًا على علاقتنا بمن نحبه، أو نقول الحق بغلظة تنفّر صاحبه، أو نطالب غيرنا بما لا نلتزمه نحن. والتواصي الذي تهدي إليه السورة يقتضي أن نصدق في الحق، وأن نقبله حين يأتينا، وأن نبذله على وجه يعين على العمل به. وليس الحق كلمةً تُرفع عند الخصومة وحدها؛ هو كذلك أمانة تُؤدّى، وعدل لا يُترك عند اختلاف المصالح، وواجب لا ننتظر غيرنا ليبدأ به.
لكن معرفة الحق والتواصي به لا تعني أن الطريق سيكون سهلًا دائمًا؛ لذلك ختمت السورة بقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]. قد يحتاج الإنسان إلى صبر ليتعلم، وصبر ليصلح ما اعتاده من خطأ، وصبر ليؤدي حقًّا ثقل عليه، وصبر ليواصل عملًا صالحًا طال طريقه. وقد يحتاج، في ساعة ضعف، إلى أخ يثبته ويذكره بسبب البداية وغاية الطريق.
والصبر هنا ليس اسمًا للاستسلام أو تأجيل الإصلاح. إنما هو ما يعين الإنسان على ألا يترك الحق إذا شقّ عليه، وألا يقطع العمل إذا تأخرت ثمرته، وألا يتحول ألمه إلى ظلم لغيره. والتواصي به مسؤولية متبادلة أيضًا: لا يكفي أن نقول للمتعب «اصبر»، ثم نتركه وحده يحمل ما نستطيع أن نعينه عليه.
وبهذا يظهر ترتيب السورة: إيمان يضبط الوجهة، وعمل صالح يصدق أثره، وتواصٍ بالحق يحفظ حضور الهداية بين الناس، وتواصٍ بالصبر يعينهم على الثبات والعمل. وهي خصال متصلة؛ فما يقوم في القلب يثمر في السلوك، وما يظهر في السلوك يمتد نفعه إلى غير صاحبه، وما يجتمع الناس عليه من حق يحتاج إلى صبر يحفظه.
وإذا تأملنا موقع سورة العصر بين سورتي التكاثر والهمزة، ظهر وجه لطيف للتفكر. ففي التكاثر انشغال بالكثرة حتى يأتي الموت ويقع السؤال عن النعيم. وفي الهمزة صورة لمن جمع المال وعدّده، وجعل لسانه أداةً لهمز الناس ولمزهم. وبينهما تضع العصر ميزانًا آخر للعمر واللسان: ماذا عملنا بما أُعطينا؟ وهل كان كلامنا تواصيًا بالحق والصبر، أم أذًى للناس وانشغالًا بما يفنى؟
ولا تعني هذه المقابلة ذم المال أو السعي في المعاش؛ فقد يكون الكسب نفسه بابًا للعمل الصالح والنفع. إنما تُراجع السورة الوجهة التي تحكم أعمالنا: هل يبقى الإيمان والحق حاضرين حين نتعامل مع المال والمنصب والناس؟ وهل نستعمل ما أُعطينا في الخير، أم ننشغل به عن الحقوق التي علينا؟
وهذا ميزان يحتاجه الفرد وتحتاجه الجماعة. للفرد أن يسأل نفسه في يومه: هل ظهر أثر إيماني في عمل؟ هل قبلت نصيحةً احتجت إليها؟ هل أعنت أحدًا على حق أو صبر؟ ولمن يعملون معًا أن يسألوا: هل نترك في جماعتنا مجالًا لمن يذكّرنا إذا أخطأنا؟ وهل نساند من يتحمل تبعة الموقف الحق، أم نطالبه بالصبر ونمضي؟
ختامًا، تبدأ سورة العصر بزمن يمضي، وتكشف خسر الإنسان، ثم تفتح له باب النجاة. فلا تجعل معيار العمر عدد السنين التي مضت، ولا كثرة ما شغلها، بل ما قام فيها من إيمان وعمل صالح وتواصٍ بالحق والصبر. وما دام للإنسان من عمره بقية، فالباب أمامه مفتوح: أن يراجع وجهته، ويصلح عمله، ويأخذ بيد غيره ويقبل يد من تعينه على الطريق.