سنن التنزيل
دراسةُ سورة المزمل

سورة المزمل… كيف يُبنى حامل القول الثقيل؟

  • 8 دقائق للقراءة
  • 25 آيةً

سورة المزمل ترسم منهجاً متكاملاً لإعداد حامل الرسالة في سكون الليل، ليملك القوة الإيمانية والأخلاقية التي تعينه على خوض أعباء النهار ومواجهة تحديات الواقع.

تبدأ سورة المزمل بنداء يحمل في لفظه قربًا وتلطفًا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: 1] لم يناده هنا بوصف النبوة أو الرسالة، وإنما ناداه بالحال التي هو عليها: المتزمل بثيابه. ثم تأتي الكلمة التي ستغير حركة المشهد كله: ﴿قُمِ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ۝ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 1–2] من التزمل إلى القيام. ومن السكون إلى الاستعداد. لكن المدهش أن أول قيام لم يكن إلى الناس، وإنما إلى الله. فالرسالة التي ستملأ النهار حركة تبدأ بصناعة حاملها في سكون الليل. وهنا نضع أيدينا على الخيط الناظم للسورة:

سورة المزمل ليست سورة قيام الليل فحسب، وإنما سورة إعداد الإنسان الذي سيحمل كلام الله إلى الحياة. فالقول ثقيل. والنهار طويل. والطريق فيه أذى وتكذيب. ومن سيحمل هذا كله يحتاج أولًا أن يُبنى.

برنامج إعداد حامل القول الثقيل

﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ۝ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ۝ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2–4] إنه برنامج إعداد. قيام. وقرآن. وترتيل. وليس المقصود مجرد المرور بالألفاظ، بل قراءة تستقر فيها الكلمات، ويأخذ فيها القلب نصيبه من الوحي. ثم تكشف السورة لماذا يحتاج حامل الرسالة إلى هذا الإعداد: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5] إنه القرآن بما يحمله من حق، وأمانة، وتكليف، وبلاغ. ولذلك لم يكن العلاج أن يُخفف القول حتى يستطيع الإنسان حمله، بل أن يُبنى الإنسان حتى يستطيع حمل القول. وهذه سنة من سنن التربية الربانية: ليست كل مشقة في الطريق تُعالج بإزالة التكليف؛ فقد يكون المطلوب أن نبني في أنفسنا من القوة ما يجعلنا أقدر على حمله. والأعجب أن القرآن الذي سيحمله النبي ﷺ هو نفسه الذي يُعَدُّ به لحمل القرآن: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4] ثم: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5] فالقرآن هو الرسالة، وهو زاد حامل الرسالة. تحمل القرآن، والقرآن يحملك. ومن أراد أن يحمل كلام الله إلى الناس لا يستطيع أن يعيش بعيدًا عن كلام الله.

الليل… موطن بناء القلب

ثم تبين السورة لماذا اختير الليل لهذا البناء: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6] وقد ذكر المفسرون في ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ [المزمل: 6] معاني منها شدة مواطأة القلب واللسان، ومنها ما في قيام الليل من قوة ومجاهدة، والمعنى في مجموعه يفتح لنا بابًا مهمًا: الليل موطن أصفى لجمع القلب واستقامة القراءة والقول. ثم تأتي الآية التالية فتشرح لماذا يحتاج الإنسان إلى هذا الاجتماع: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 7] تعبير عجيب. لم يقل: عملًا طويلًا، بل ﴿سَبْحًا﴾. كأن النهار بحر من الحركة. أعمال. وأهل. ورزق. ودعوة. وعلاقات. ومسؤوليات. وأحداث تتدافع. فالليل يجمعك، والنهار يوزعك. ومن لم يكن له وقت يجمع فيه قلبه، قد يبدده السبح الطويل في النهار. ولذلك فقيام الليل ليس هروبًا من الحياة، وإنما إعداد للعودة إليها. ليس المقصود أن يبقى المؤمن في محرابه بعيدًا عن الناس، وإنما أن يأخذ من محرابه ما يستطيع أن يعيش به بين الناس.

خلوة بلا عزلة… وحركة بلا انقطاع

ولهذا يجتمع في السورة أمران قد يبدوان لأول وهلة متقابلين: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 7] ثم: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8] التبتل لا يعني الانقطاع عن الحياة، فالآية قبلها تضعك في قلب الحركة. إنما يتبتل القلب إلى الله بينما تتحرك الجوارح في الأرض. قد تكون بين الناس، وتعمل، وتسعى، وتربي، وتدعو، وتحمل مسؤولياتك، لكن قلبك يعرف إلى من ينتمي. وهذه هي المعادلة: خلوة بلا عزلة عن الحياة، وحركة بلا انقطاع عن الله.

حين يصبح الله هو الوكيل

ثم ترتفع السورة بالتبتل إلى التوحيد والتوكل: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 9] ليست مناجاة الليل مجرد لحظات راحة نفسية؛ إنها إعادة ترتيب لمواضع الأشياء في القلب. الله رب المشرق والمغرب. لا إله إلا هو. إذن: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 9] فالعبد قد يدخل الليل حاملًا هموم النهار، لكنه يتعلم في الليل أنه ليس مطالبًا أن يحمل الكون على كتفيه. هناك رب. وهناك وكيل. وهناك من بيده المشرق والمغرب.

الصبر الذي يُبنى في الليل

وحين يستقر هذا في القلب يصبح الإنسان مستعدًا للخطوة التالية: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ [المزمل: 10] وهنا تظهر هندسة التربية في السورة. لم تأمره بالصبر أولًا. سبق الصبرَ قيامٌ، وقرآن، وذكر، وتبتل، وتوحيد، وتوكل. ثم: ﴿وَاصْبِرْ﴾ فالصبر لا يُصنع لحظة الأزمة. والثبات الذي يظهر في النهار قد يكون قد بُني في الليل. وهذه سنة نحتاجها في واقعنا: لا تنتظر ساعة البلاء حتى تبدأ بناء ما تحتاجه في ساعة البلاء. ابنِ قلبك قبل أن تهب العاصفة. املأه بالقرآن قبل أن تمتلئ أذناك بكلام الناس. وثبّت صلتك بالله قبل أن تختبرك الحياة في تلك الصلة.

الهجر الجميل

ثم لا تقول السورة: اصبر فقط، وإنما تضيف خلقًا بالغ الدقة: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10] حتى الهجر له جمال. قد تضطر إلى الابتعاد. وقد تحتاج إلى المفاصلة مع الباطل. وقد يكون استمرار المخالطة مؤذيًا. لكن القرآن لا يسمح أن تتحول المفاصلة إلى انهيار أخلاقي. اهجر، ولكن جميلًا. لا تجعل أذى الآخرين رخصة لظلمهم. ولا تجعل مخالفتهم لك مبررًا للفحش والتشفي والانتقام للنفس. وهنا يظهر أثر الليل في النهار. فالذي قام ورتل وذكر وتبتل واتخذ الله وكيلًا، ينبغي أن يظهر شيء من ذلك عندما يواجه من يؤذيه.

وهذا يربط المزمل بثلاثية الجمال القرآنية: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: 5] ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10] ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: 85] جمال عند الاحتمال. وجمال عند المفارقة. وجمال عند التجاوز. فليس المطلوب أن تفعل الصواب فحسب، وإنما أن تحافظ على جمال العبودية وأنت تفعله.

من الخلوة إلى الخُلُق

ومن هنا نستطيع أن نرى حركة كاملة في السورة: ﴿قُمِ﴾. ثم ﴿رَتِّلِ﴾. ثم ﴿وَاذْكُرِ﴾. ثم ﴿وَتَبَتَّلْ﴾. ثم ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 9]. ثم ﴿وَاصْبِرْ﴾. ثم ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]. إنها رحلة من الخلوة إلى الخُلُق. فالعبادة التي لا يظهر أثرها في أخلاقنا تحتاج منا إلى مراجعة أثرها في قلوبنا.

﴿وَذَرْنِي﴾

ثم تأتي كلمة تحمل عن حامل الرسالة حملًا آخر: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل: 11] ﴿وَذَرْنِي﴾ كلمتان، لكنهما تحرران الداعية من استنزاف هائل. أنت لست مسؤولًا عن الانتقام من المكذبين. ولا عن إجبار القلوب على الهداية. ولا عن إدارة الجزاء. وظيفتك أن تقوم، وتحمل، وتبلغ، وتصبر، وتحافظ على جمال أخلاقك. أما الحساب: ﴿وَذَرْنِي﴾ وهنا نفهم عمليًا معنى: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 9] فمن اتخذ الله وكيلًا لا يحمل ما تكفل الله به.

القول الثقيل… والعاقبة

ثم تكشف السورة شيئًا من المصير: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا ۝ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ۝ يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: 12–14] القول ثقيل، لكن اليوم الذي ينذر به أثقل من أن يُستهان به. والجبال التي يراها الإنسان عنوانًا للثبات تصبح: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: 14] فإذا كانت الجبال لا تثبت لذلك اليوم، فكيف يستهين الإنسان بالإنذار؟

ثم يستدعي القرآن شاهدًا من التاريخ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا ۝ فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: 15–16] لم تبدأ سنة التكذيب بمحمد ﷺ، ولم تبدأ سنة نصرة رسل الله به. كان موسى. وكان فرعون. وكانت قوة ظاهرة. ثم كان: ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: 16] فلا تجعل قوة الباطل الظاهرة تنسيك من يملك العاقبة.

وهنا تبرز شبكة لفظية لطيفة في السورة: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]. ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 7]. ﴿هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]. ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: 16]. فالقول الثقيل عليك أن تحمله. والسبح الطويل عليك أن تتحرك فيه. والهجر الجميل عليك أن تتخلق به. أما الأخذ الوبيل فاتركه لمن قال: ﴿وَذَرْنِي﴾.

من الوعيد إلى السبيل

ثم تعيد السورة القلب إلى القيامة: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ۝ السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: 17–18] ثم بعد مشهد الوعيد كله تفتح الباب: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: 19] وهذا هو مقصد الإنذار. ليس إخافة الإنسان لمجرد إخافته، وإنما فتح السبيل أمامه: ﴿إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: 19] فالقول الثقيل يريد في النهاية أن يقود الإنسان إلى ربه.

من ﴿قُمِ﴾ إلى ﴿تَقُومُ﴾

ثم تأتي الآية الأخيرة الطويلة، وكأنها تعود بنا إلى أول السورة بعد رحلة كاملة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: 20] وهنا كنز من أجمل كنوز السورة. بدأت: ﴿قُمِ﴾ وانتهت: ﴿أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: 20] في البداية تكليف. وفي النهاية شهادة بتحقق التكليف. لكن شيئًا آخر حدث: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: 20] بدأ القيام بفرد، ثم صار هناك قوم يقومون معه. وهذه سنة التربية الناجحة: لا يبقى أثرها محبوسًا في صاحبها. الإنسان الذي يُبنى حقًا يصبح بناءً لغيره.

ومن هنا تظهر صلة جميلة بما رأيناه في سورة الجن: سمعوا القرآن فآمنوا، ثم عادوا إلى قومهم منذرين. الهداية التي تستقر في القلب تبدأ في الانتقال.

العزيمة والرحمة

ثم تأتي الرحمة: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20] السورة التي بدأت: ﴿قُمِ﴾ تقول الآن: ﴿مَا تَيَسَّرَ﴾ [المزمل: 20] ولا تناقض بينهما. فالتربية الربانية تجمع بين العزيمة والرحمة. العزيمة تبني. والرحمة تجعل السير مستدامًا. فليس المقصود من العبادة إنهاك الإنسان، وإنما تزكيته وبناؤه وتقريبه من الله.

ولذلك يذكر الله واقع الإنسان: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20] مرضى. وطالبو رزق. ومجاهدون. فالذي أمرهم بالقيام هو نفسه الذي يعلم مرضهم وأعمالهم ومسؤولياتهم. الشريعة التي تعرف ضعفك هي نفسها التي تريد بناءك. ولهذا لا ينبغي أن نحول التيسير إلى تفلت، كما لا ينبغي أن نحول العبادة إلى إرهاق يتجاهل طبيعة الإنسان.

وتكشف هذه الآية أيضًا أن قيام الليل لا يلغي عمارة النهار. هناك من يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله. وهناك من يقاتل في سبيل الله. وهناك مريض له حاله. فالعبودية في القرآن ليست زاوية صغيرة من الحياة؛ إنها تصحب الإنسان في محرابه، وفي رزقه، وفي ضعفه، وفي مسؤوليته.

العبادة التي تتحول إلى عمل

ثم لا تنتهي السورة عند قيام الليل أصلًا: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المزمل: 20] فالإنسان الذي بُني في الليل يخرج أثر بنائه إلى الحياة. صلاة. وزكاة. وعطاء. وخير يقدم بين يديه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: 20] فلا تقف العبادة عند لحظة الشعور الجميل بين يدي الله، بل تتحول إلى خير يتحرك في الأرض.

المزمل والمدثر… البناء ثم الانطلاق

وهنا نفهم التكامل العجيب بين المزمل والمدثر. في المزمل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: 2] وفي المدثر: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 2] في المزمل يُبنى حامل الرسالة. وفي المدثر يتحرك بالرسالة. في المزمل: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4] وفي المدثر: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 2] تلقَّ قبل أن تعطي. وامتلئ قبل أن تفيض. وقم لله قبل أن تقوم للناس. لكن لا تجعل قيامك لله عذرًا عن مسؤوليتك تجاه الناس.

وفي المزمل: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10] وفي المدثر: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5] فالباطل يُهجر بلا مداهنة، والبشر يُعاملون بلا ظلم. وضوح في المبدأ. وجمال في التعامل.

ثم تتكرر كلمة عجيبة في السورتين. في المزمل: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: 11] وفي المدثر: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: 11] وكأن الله يعيد على حامل الرسالة الدرس نفسه: لا تجعل خصوم الرسالة يحتلون قلبك. أنت قم. ورتل. واذكر. وتبتل. واصبر. وأنذر. وكبر ربك. وأما من أصر على العناد بعد البيان: ﴿وَذَرْنِي﴾.

الخاتمة… الاستغفار بعد كل عمل

ثم تأتي آخر وصية في سورة المزمل لتمنع كل هذا العمل من أن يتحول إلى عجب: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [المزمل: 20] بعد القيام استغفار. وبعد القرآن استغفار. وبعد الصلاة والزكاة والعطاء استغفار. لأن العبد مهما عمل يبقى عبدًا مفتقرًا إلى رحمة ربه. ولذلك لم تختم السورة بقوة الإنسان الذي قام، وإنما برحمة الله الذي أقامه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: 20]

وهنا تكتمل الرحلة.

بدأت السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ۝ قُمِ﴾ [المزمل: 1]

ثم صنعت هذا القائم بالقرآن: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]

وأخبرته بحجم ما سيحمل: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]

وأعدته للنهار: ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 7]

وربطت قلبه بالله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8]

وعلمته أين يضع أحماله: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 9]

وعلمته كيف يواجه أذى الناس: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ [المزمل: 10]

وكيف يفارق دون أن يفقد أخلاقه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]

وكيف يترك ما ليس من وظيفته: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: 11]

ثم عاد في النهاية ليقول له: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: 20]

﴿قُمِ﴾ أصبحت ﴿تَقُومُ﴾.

والفرد أصبح: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: 20]

والعزيمة التي بدأت بها التربية احتضنتها الرحمة: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ [المزمل: 20]

ثم انتهى كل العمل إلى الافتقار: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [المزمل: 20]

هذه سورة المزمل.

ليست دعوة إلى أن نهرب من النهار إلى الليل.

بل أن نأخذ من الليل ما يجعلنا قادرين على حمل النهار.

وليست دعوة إلى أن نعتزل الناس.

بل أن نبني مع الله قلبًا يستطيع أن يعيش بين الناس دون أن تبتلعه ضوضاؤهم.

وليست دعوة إلى القوة التي تقسو.

بل إلى القوة التي تستطيع أن تصبر، ثم تهجر جميلًا، ثم تترك الحساب لله.

فإذا كان لك في نهارك سبح طويل، فلا تدخل هذا البحر بقلب فارغ.

وإذا كان على كتفيك قول ثقيل، فلا تحاول حمله بقلب لم يتزود.

وإذا آذاك الناس، فلا تسمح لأذاهم أن يسلب منك جمالك.

واجعل لك من الليل نصيبًا تجمع فيه ما بعثره النهار، وتعرض فيه ضعفك على من بيده قوتك، وتقرأ فيه كلامًا لا يخبرك فقط كيف تعيش، بل يبني فيك الإنسان القادر على أن يعيش كما أمر الله.

فمن أراد أن يعرف ماذا يصنع الليل بالإنسان، فلينظر إلى أول السورة وآخرها:

﴿قُمِ﴾

ثم:

﴿أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: 20]

وبين الكلمتين تقع مدرسة كاملة لصناعة حامل القول الثقيل.

﴿إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: 19]

شارك المقال