سورة المدثر… حين تحرّك التذكرة الإنسان
سورة المدثر ترسم مسؤولية الإنسان وحركته أمام التذكرة، كاشفةً كيف تصنع اختياراته اليومية مسالك حياته قبل أن تتحول إلى مصيرٍ لا رجعة فيه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
سورة المدثر… حين تحرّك التذكرة الإنسان
بعد أن أخذتنا سورة المزمل إلى الليل، حيث يُبنى حامل القول الثقيل بالقيام والترتيل والذكر والتبتل والتوكل والصبر، تأخذنا سورة المدثر إلى الميدان.
هناك قيل:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: 1–2].
وهنا:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 1–2].
في المزمل: قم لتُبنى.
وفي المدثر: قم لتبني.
هناك إعداد حامل الرسالة، وهنا بدء حركته بها.
لكن سورة المدثر لا تقف عند الداعية؛ بل تتسع لتصبح سورة حركة الإنسان أمام التذكرة: إنسان يسمع الوحي فيقوم به، وآخر يسمعه فيدبر عنه، ثم يوضع كل واحد منا أمام السؤال نفسه:
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 37].
﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 2]… حين يتحول الإيمان إلى مسؤولية
يفتتح النداء باسم الحال:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: 1].
يناديه القرآن من حاله، ثم يحركه إلى وظيفته:
﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 2].
ليس المقصود ذم التدثر أو الراحة في ذاتها، وإنما الانتقال من حال إلى حال، ومن التهيؤ إلى البلاغ، ومن بناء النفس إلى حمل مسؤولية الناس.
لكن القرآن لا يرسل حامل الرسالة إلى المجتمع ثم يترك شخصيته بلا بناء؛ بل تأتي وراء ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 2] منظومة كاملة تضبطه قبل الطريق وفي الطريق:
فالقرآن لا يقول له فقط: ماذا تقول للناس؟
بل يبني فيه: من تكون وأنت تقول؟
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: 3]… اضبط ميزان العظمة
قبل أن يدخل حامل الرسالة عالمًا تتزاحم فيه القوى والمكانات والأموال والوجاهات، يضبط القرآن ميزانه:
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: 3].
قد يكبر في أعين الناس صاحب المال، وصاحب السلطان، وصاحب الجمهور، وصاحب القدرة، لكن قلب حامل الوحي له ميزان آخر.
كلما كبر الله في قلبه، أخذ كل شيء آخر حجمه الحقيقي.
ليس معنى ذلك احتقار الناس، وإنما ألا تصبح قوة مخلوق أكبر في القلب من حق الخالق.
ومن هنا نفهم لماذا سيعرض القرآن بعد قليل رجلًا أعطاه الله مالًا ممدودًا وبنين شهودًا ومهّد له تمهيدًا؛ فقد يراه الناس كبيرًا بما يملك، لكن السورة سبقت كل ذلك بميزانها:
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: 3].
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]… لا تحمل الطهارة وأنت متصالح مع الدنس
تعددت عبارات السلف والمفسرين في هذه الآية بين طهارة الثياب المعروفة ومعانٍ تتصل بالطهارة والتنزه في النفس والعمل والسلوك، ويبقى البناء التربوي واسعًا:
من يحمل رسالة الطهارة يحتاج أن يبقى هو نفسه تحت التطهير.
فليس الداعية مراقبًا لعيوب الناس فقط، بل هو أول من ينبغي أن يمر خطاب الوحي على قلبه وسلوكه.
ثم:
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5].
اهجر الشرك والباطل والرجس، ولا تجعل ما جئت لتحرر الناس منه مستقرًا في حياتك.
وهنا يكتمل معنى لطيف مع سورة المزمل.
قال هناك:
﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10].
وقال هنا:
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5].
فاهجر الباطل بلا مساومة، واضبط تعاملك مع أهله بالجمال.
حزم في المبدأ، وجمال في معاملة البشر.
﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6]… حين تكون النفس أخطر من الطريق
بعد تطهير الظاهر وهجر الرجز، يأتي خطر أدق:
﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6].
وقد حملت الآية عند أهل التفسير معاني متقاربة: ألا يعطي طالبًا عوضًا أكثر، وألا يستعظم ما يقدم، وألا يجعل عطاءه بابًا للمنّ.
والمعنى التربوي الجامع: لا تجعل ما تقدمه لله وللناس بابًا لتعظيم نفسك أو طلب العوض الأكبر.
فقد يهجر الإنسان الباطل، لكنه لا يهجر رؤية نفسه.
وقد يبدأ لله، ثم يصنع مع طول الطريق دفترًا داخليًا:
أنا بذلت.
أنا دعوت.
أنا خدمت.
أنا تحملت.
فأين تقدير الناس؟
وهنا تحرره الآية:
لا تجعل ما قدمته لله دَيْنًا في أعناق خلق الله.
فالذي ينتظر من الجمهور أن يدفع له ثمن دعوته يصبح أسيرًا للجمهور؛ ينشط إذا مدحوه، وينكسر إذا تجاهلوه، ويستمر إذا استجابوا، ويفتر إذا أعرضوا.
ولهذا جاءت بعدها مباشرة:
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: 7].
لم يقل: اصبر حتى يستجيبوا.
بل حدد الجهة التي من أجلها يستمر:
﴿وَلِرَبِّكَ﴾.
وفي المزمل:
﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ [المزمل: 10].
فهناك بيان لما تصبر عليه، وهنا بيان لمن تصبر.
على ماذا؟
﴿عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ [المزمل: 10].
ولمن؟
﴿وَلِرَبِّكَ﴾.
وهكذا تحيط الربوبية بالمطلع:
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: 3] في بداية الطريق.
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: 7] حين يطول الطريق.
لا يكفي أن تقوم؛ بل اعرف بمن تقوم، ولمن تقوم.
﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: 8]… لماذا كل هذا الإعداد؟
بعد أوامر المطلع يأتي المشهد فجأة:
هنا نفهم خطورة:
﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 2].
فالإنذار ليس مهنة كلامية ولا صناعة جمهور؛ هناك يوم عسير، والرسالة جاءت لتنقذ الإنسان قبل وصوله إليه.
ومشقة الصبر على الحق اليوم ليست شيئًا إذا قيست بعسرة ذلك اليوم.
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: 11]… العودة إلى نقطة الصفر
ثم تعرض السورة نموذجًا للإنسان الذي لم تصنع النعمة فيه أثرها الصحيح:
قبل المال:
﴿خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: 11].
وقبل البنين:
﴿وَحِيدًا﴾.
وقبل المكانة والتمهيد:
﴿وَحِيدًا﴾.
فالقرآن يعيد الإنسان إلى نقطة البداية التي تنساها النعمة أحيانًا.
لم تأت إلى الدنيا حاملًا ما تملك.
﴿مَهَّدْتُ لَهُ﴾ [المدثر: 14].
كل ما حولك جاء بعدك، وسيبقى بعضه بعدك.
لكن المفارقة أن هذه النعم لم تنتج شكرًا:
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ [المدثر: 15].
عدّد الله الموجود، بينما قلبه متعلق بالمفقود.
وهذه آفة إنسانية متكررة: أن تختفي عشرات النعم خلف شيء واحد لم نحصل عليه.
فإذا لم يتحول الموجود إلى شكر، فلن تضمن الزيادة أن تصنع الرضا؛ لأن المشكلة ليست دائمًا في مقدار النعمة، بل في القلب الذي يستقبلها.
وهنا تظهر مقابلة بديعة مع:
﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6].
حامل الرسالة يعطي ولا يستكثر ما أعطى.
وهذا أُعطي كثيرًا ثم لا يزال:
﴿يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ [المدثر: 15].
المؤمن يستصغر ما قدم أمام فضل الله، والمعرض يستصغر ما أعطاه الله لأنه يريد المزيد.
ثم يأتي الحكم:
﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر: 16].
فكثرة النعمة ليست بذاتها شهادة رضا، وإنما السؤال:
ماذا فعلت النعمة بك؟
ثم:
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: 17].
بعد:
﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: 14].
تمهيد في الدنيا، ثم صعود مرهق.
فليس السؤال كم مُهِّد لك، وإنما إلى أين قادك التمهيد.
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر: 18]… حين يعمل العقل في خدمة النتيجة المسبقة
ثم يدخل القرآن إلى داخل عملية التكذيب:
إنها ليست نتيجة فقط، بل رحلة:
فكر.
قدّر.
نظر.
عبس.
بسر.
أدبر.
استكبر.
قال.
فالقرآن لا يذم التفكير؛ بل يدعو إليه. لكنه يكشف هنا أن التفكير يمكن أن يُستخدم للبحث عن الحقيقة، ويمكن أن يُسخّر لتبرير موقف لا يريد صاحبه التخلي عنه.
قد لا يسأل الإنسان: ما الحق؟
بل: كيف أجد مخرجًا من الحق الذي لا أريد الخضوع له؟
ولهذا كانت الكلمة الكاشفة:
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: 23].
وهنا يقف أمامنا شخصان في السورة.
الأول:
﴿قُمْ﴾.
والثاني:
﴿أَدْبَرَ﴾.
الوحي جاء إلى الاثنين؛ أحدهما حرّكه الوحي فقام به، والآخر حرّكه استكباره فأدبر عنه.
وبين:
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: 3]
و:
﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾
يتحدد ميزان القلب.
إما أن يكبر الله في قلب الإنسان فيعرف قدر نفسه، وإما أن تكبر النفس حتى تعاند آيات الله.
﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5] أم ﴿قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: 25]؟
وهنا تمتد يد المدثر إلى المزمل مرة أخرى.
قال الله في المزمل:
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5].
وقال المعاند في المدثر:
﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: 25].
فالمواجهة تتعلق بحقيقة هذا القول ومصدره.
في المزمل يُبنى الإنسان ليحمل «القول الثقيل».
وفي المدثر نرى ما يحدث عندما يصل هذا القول إلى قلب يريد رفضه.
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: 26]… حين تظهر نتيجة الاتجاه
ثم يشرح القرآن بنفسه قضية العدد:
المعلومة واحدة، لكن آثارها مختلفة:
﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: 31].
وفي الجهة الأخرى:
فالوحي لا يكشف الحقيقة فقط؛ قد يكشف كذلك طبيعة القلب الذي يستقبل الحقيقة.
وفي سورة الجن قال المستمعون:
﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: 1–2].
وهنا سمع آخر، وفكر وقدر، ثم قال:
﴿قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: 25].
النص واحد، لكن القلوب ليست واحدة.
ثم يأتي ميزان الربوبية مرة أخرى:
﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: 31].
بدأت المنظومة:
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: 3].
ثم:
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: 7].
وهنا:
﴿جُنُودَ رَبِّكَ﴾ [المدثر: 31].
فمن عرف ربه في المطلع، لم تضطرب موازينه أمام جنوده وأقداره وأخباره.
﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: 33–34]
يقسم الله:
وقد مر قبلها:
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: 23].
الليل يدبر، لكن إدباره يفتح الطريق لإسفار الصبح.
أما الإنسان الذي يدبر عن الوحي فإنه يختار الابتعاد عن النور.
ولا نجزم بأن التشابه اللفظي وحده يثبت مقابلة مستقلة مقصودة، لكن الصورة في سياق التدبر لافتة: الكون يمضي من إدبار الليل إلى انكشاف الصبح، بينما يستطيع الإنسان أن يختار الإدبار عن النور الذي جاءه.
ثم:
﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: 35].
وفي المطلع:
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: 3].
وفي المعاند:
﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾.
وفي الوعيد:
﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: 35].
تكبير الرب، واستكبار العبد، والحقائق الكبرى التي حاول المستكبر أن يصغرها.
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 37]… سورة الاتجاه
ثم تأتي آية تكاد تضع مفتاح السورة في يد القارئ:
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 37].
لقد بدأت السورة:
﴿قُمْ﴾.
ثم رأينا:
﴿أَدْبَرَ﴾.
والآن:
﴿يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 37].
ثم سيأتي:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42].
ثم:
﴿مُعْرِضِينَ﴾.
ثم:
﴿فَرَّتْ﴾.
إنها هندسة حركة كاملة.
الوحي حين يصل إلى الإنسان لا يتركه في الموقع نفسه؛ يكشف اتجاهه.
هل تقوم؟
أم تدبر؟
هل تتقدم؟
أم تتأخر؟
وفي أي طريق تسلك؟
وعن ماذا تعرض؟
وإلى أين تفر؟
ثم تأتي نتيجة الاختيار مباشرة:
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38].
﴿مَنْ شَاءَ﴾ [الفرقان: 57؛ النمل: 87؛ الزمر: 68] ثم ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ [المدثر: 38].
اختيار، ثم كسب، ثم مسؤولية.
فالإنسان لا يُعرَّف فقط بما عرف، بل بما صنع بعد أن عرف.
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42]… الطريق قبل المصير
لفظة ﴿سَلَكَكُمْ﴾ بالغة الدلالة.
فالمصير له طريق.
والاختيارات المتكررة تصبح سلوكًا، والسلوك يصبح مسلكًا، والمسلك ينتهي إلى وجهة.
ولهذا ينبغي أن نراقب الاتجاه قبل أن يصبح طريقًا، والطريق قبل أن يصبح مصيرًا.
وجاء جوابهم في أربع دوائر:
﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: 43].
انقطعت الصلة بالله.
﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: 44].
غابت مسؤولية الإنسان تجاه الضعيف.
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: 45].
ضاع الميزان المستقل، وأصبح اتجاه الجماعة دليلًا.
﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: 46].
غابت الآخرة عن ميزان القرار.
فوقك رب تعبده، وحولك إنسان له حق، ومعك مجتمع لا يجوز أن تذوب في باطله، وأمامك آخرة ستصل إليها.
وإذا انهارت هذه الجهات، ظهر معنى:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42].
ولفظة ﴿مَعَ﴾ في:
﴿نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: 45]
مخيفة.
فقد لا يبدأ الإنسان الباطل، لكنه يدخل مع أهله.
لا ينشئ الإشاعة، لكنه ينقلها.
لا يبدأ السخرية، لكنه يشارك فيها.
لا يصنع التيار، لكنه يسلم نفسه له.
وهذا من أشد ما نحتاجه في زمن يمكن فيه لضغطة واحدة أن تجعل الإنسان ﴿مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: 45].
ثم:
﴿حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: 47].
ظل زمن الاختيار مفتوحًا حتى جاء الموت.
ففي الدنيا:
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 37].
لكن هذه المهلة ليست بلا نهاية.
حرية الاختيار لها أجل، ثم يأتي زمن ظهور نتيجة الاختيار.
﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: 49]… الفرار مما جاء لينقذهم
بعد أن عرضت السورة سقر وأسباب دخولها، يعود السؤال:
يا للمفارقة.
التذكرة جاءت لتحذرهم من سقر.
لكنهم يفرون من التذكرة كأنها هي الخطر.
وهذه من أغرب مفارقات النفس البشرية:
أن يفر الإنسان مما جاء لينقذه، إلى الشيء الذي جاءت التذكرة لتنقذه منه.
بدأ الإعراض:
﴿أَدْبَرَ﴾.
ثم صار:
﴿مُعْرِضِينَ﴾.
ثم بلغ:
﴿فَرَّتْ﴾.
إدبار، فإعراض، ففرار.
وفي الطرف الآخر:
﴿قُمْ﴾.
ثم:
﴿يَتَقَدَّمَ﴾.
طريقان أمام التذكرة.
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: 52]
لا يكتفون بالتذكرة التي جاءتهم، بل يريد كل واحد منهم خطابًا مخصوصًا وفق ما يقترحه.
والفرق كبير بين طالب البرهان وبين من يجعل المطالب المتجددة وسيلة لتأجيل الاستجابة.
ولهذا يكشف القرآن ما وراء الظاهر:
﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ [المدثر: 53].
وهذه الجملة من أكبر مفاتيح السورة.
بدأت:
﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 2].
ولماذا يحتاج الإنسان إلى الإنذار؟
لأن الآخرة قد تغيب عن قلبه حتى يعيش كأن الطريق لا نهاية له.
فالإنذار يعيد الآخرة إلى الحاضر، حتى يتخذ الإنسان قرار اليوم على ضوء لقاء الغد.
وهنا تمهد المدثر لما ستفصله السورة التالية:
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: 1].
فالمدثر تنتهي بتشخيص:
﴿لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ [المدثر: 53].
ثم تفتح القيامة المشهد على اليوم الذي غاب عن ميزانهم.
وستذهب القيامة أعمق:
﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة: 20–21].
فالمدثر تكشف غياب الخوف من الآخرة، والقيامة تكشف تعلق القلب بالعاجلة وترك الآخرة.
﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: 54]… الله يعيد تعريف ما حاول الإنسان تشويهه
قال المعاند:
﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: 25].
لكن السورة تنتهي:
﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: 54].
هذا تعريف الإنسان للوحي.
وهذا تعريف الله له.
ومهما وضع الإنسان على الوحي من أسماء، فلن يغير ذلك حقيقته.
بدأت السورة:
﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 2].
وانتهت:
﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: 54].
فوظيفة حامل الرسالة أن يبلغ التذكرة، لا أن يملك القلوب.
ثم:
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: 55].
وفي موضع سابق:
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 37].
للإنسان اختيار، ولذلك هو مسؤول:
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38].
لكن مشيئته ليست مستقلة عن الله:
﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: 56].
وهنا يعود حامل الدعوة نفسه إلى حجمه الحقيقي.
قم.
أنذر.
كبر ربك.
طهر.
اهجر.
لا تمنن.
اصبر.
لكن لا تتوهم أنك تملك القلوب.
قم بكل ما عليك، ولا تحمل ما ليس إليك.
فإن اهتدى الناس، فلا تستكثر عملك:
﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6].
وإن أعرضوا، فلا تنهزم:
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: 7].
فالقلوب في النهاية بيد الله.
﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: 56]… حين تنتهي سورة الإنذار بالمغفرة
بعد اليوم العسير.
وبعد سقر.
وبعد:
﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ [المدثر: 28].
وبعد:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42].
وبعد الفرار من التذكرة.
لا تكون آخر كلمة هي النار.
بل:
﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: 56].
إنه أهل أن يُتقى، وأهل أن يغفر.
وهكذا نكتشف أن الإنذار لم يكن غايته أن يدفع الإنسان إلى اليأس، بل أن يوقظه قبل فوات زمن العودة.
إنذار القرآن رحمة؛ لأنه يخبرك بالخطر قبل أن تصل إليه.
ويريك سقر وأنت لا تزال قادرًا على تغيير الطريق.
ويخبرك بما قال أهلها وأنت لا تزال قادرًا أن تكون من المصلين، وأن تطعم المسكين، وأن ترفض الخوض مع الخائضين، وأن توقن بيوم الدين.
ختاماً
سورة المدثر ليست خطابًا للداعية وحده، وليست وصفًا للمكذب وحده.
إنها تضعنا جميعًا أمام التذكرة.
بدأ أحدهم بها فقال الله له:
﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 2].
ووصلت إلى آخر:
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: 23].
ثم اتسع الخطاب لنا جميعًا:
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 37].
فكل يوم نتحرك.
وكل اختيار يرسم اتجاهًا.
وكل اتجاه إذا تكرر صار طريقًا.
ولهذا يأتي السؤال في الآخرة:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42].
فانتبه إلى الاتجاه قبل أن يصبح طريقًا، وإلى الطريق قبل أن يصبح مصيرًا.
ولا تجعل الناس أكبر من ربك:
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: 3].
ولا تجعل خوضهم ميزانك:
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: 45].
ولا تستكثر ما قدمت:
﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6].
ولا تجعل تأخر النتائج يقطعك عن الطريق:
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: 7].
ولا تفر من التذكرة لأنها كشفت لك ما لا تحب؛ فقد يكون أكثر الكلام إيلامًا لك اليوم هو الذي ينقذك غدًا.
فالقرآن لم يأت ليطاردك إلى الهلاك.
جاء ليوقظك قبل الهلاك.
ومن أول:
إلى آخر:
﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: 56]
تبقى الرسالة واحدة:
قم بالتذكرة، وتقدم بها، ولا تدبر عنها؛ فما دام زمن العمل مفتوحًا، فباب العودة إلى أهل المغفرة مفتوح.