سنن التنزيل
دراسةُ سورة المعارج

سورة المعارج… من أسر العاجلة إلى معارج الإيمان

  • 8 دقائق للقراءة
  • 44 آيةً

سورة المعارج تعالج أزمة الإنسان العالق في أسر عاجلته، لتفتح له مدارج الإيمان التي ترفعه من هلعه وتقوده بالصلاة والعطاء إلى طمأنينة العبودية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

سورة المعارج… من أسر العاجلة إلى معارج الإيمان

تبدأ سورة المعارج بإنسان يستعجل، وتنتهي بإنسان يخرج من قبره مسرعًا إلى اليوم الذي كان يستبعده.

وبين الاستعجال في البداية والإسراع في النهاية، تكشف السورة واحدة من أعمق مشكلات الإنسان: أن يعيش أسير اللحظة؛ يستعجل ما تأخر، ويجزع مما أصابه، ويمنع ما وصل إليه، ويطلب شهوة اللحظة ولو تجاوز حدود الله، ويتعلق بمن حوله، ثم يطمع في النهاية الحسنة دون أن يسلك طريقها.

ثم تفتح له السورة طريقًا آخر: طريق الصبر والصلاة والعطاء واليقين والخشية والعفة والأمانة والشهادة؛ معارج يرتفع بها الإنسان من عبودية اللحظة إلى عبودية الله.

قال تعالى:

﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ۝ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ۝ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: 1–3].

لم يبدأ السؤال باحثًا عن هداية، وإنما جاء في سياق استعجال العذاب واستبعاده: إن كان هذا الذي توعدوننا به حقًا، فأين هو؟

لكن القرآن لا يقول: بعذاب سيقع، بل:

﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: 1].

فما تأخر عن ساعتك لم يتردد في قدر الله، وما لم تره بعد ليس لذلك أقل حقيقة.

ثم:

﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: 2].

قد يدفع الإنسان في الدنيا خطرًا بمال، أو سلطان، أو عشيرة، أو تحالف، أو حيلة، أما إذا جاء أمر الله فلا قوة تستطيع دفعه.

وهنا يأتي الاسم الذي سميت به السورة:

﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ۝ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 3–4].

المعارج هي المصاعد والدرجات، والملائكة والروح تعرج بأمر الله في عالم لا تحكمه مقاييس الإنسان المحدودة. ومن لطائف تناسب الاسم مع بناء السورة أنها ستفتح للإنسان بعد ذلك معارج إيمانية يرتقي بها من هلعه إلى طمأنينة العبودية.

فالإنسان في الأرض يستعجل، بينما أمر الله يجري في ملكه بقدر وموعد.

ولهذا يأتي الأمر:

﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: 5].

الصبر الجميل ليس تعطيلًا للعمل، ولا رضا بالباطل، ولا تركًا للأسباب؛ وإنما أن تعمل دون أن تجعل توقيتك شرطًا على الله، وأن تثبت دون أن يتحول تأخر الثمرة إلى سوء ظن بوعده.

وهذا درس للداعية والمصلح وللأمة كلها: لسنا مالكي ساعة النتائج. علينا التكليف، أما الموعد فلله.

ثم تكشف السورة أصل الخلل:

﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ۝ وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 6–7].

إنها قضية رؤية ومقياس.

هم يرونه بعيدًا، أما الله سبحانه فيخبر أنه قريب. وكل آت قريب، ووعد الله لا يتخلف.

ومن هنا يبدأ الفرق بين إنسان يعيش والآخرة بعيدة عن قراراته، وإنسان سيأتي وصفه لاحقًا:

﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج: 26].

فالإيمان بالآخرة ليس معلومة تحفظ، بل حقيقة تغير طريقة عيش الدنيا.

ثم تنقلنا السورة فجأة إلى اليوم الذي كانوا يستبعدونه:

﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ۝ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: 8–9].

السماء التي يراها الإنسان فوقه ثابتة تتغير، والجبال التي يضرب بها المثل في الرسوخ تصبح كالصوف.

فإذا كانت السماء والجبال لا تثبت بذاتها، فبأي شيء من الدنيا يطمئن الإنسان كأنه باق لا يزول؟

ثم ينتقل الانهيار من الأشياء إلى العلاقات:

﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ۝ يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: 10].

الحميم يرى حميمه ويعرفه، فالمشكلة ليست أنه غاب عنه، وإنما أن هول الموقف شغله بنفسه.

ولا تعلمنا السورة أن نهون من شأن العلاقات؛ بل تعلمنا ألا نعطي علاقة بشرية وظيفة لا يملكها إلا الله. نحب أهلنا ونبرهم ونحفظ حقوقهم، لكن لا نعصي الله من أجل علاقة لن تستطيع أن تحمل عنا شيئًا بين يديه.

ثم يبلغ المشهد ذروته:

﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ۝ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ۝ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ۝ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ [المعارج: 11–14].

تتسع دائرة الفداء: بنوه، وصاحبته، وأخوه، وعشيرته التي كانت تؤويه، ثم أهل الأرض جميعًا.

والغاية واحدة:

﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ [المعارج: 14].

في الدنيا كانت فصيلته تؤويه، وفي الآخرة يريد أن يجعلها فداء له.

وفي سورة عبس يفر الإنسان من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، وهنا يريد أن يفتدي بهم؛ فالمقامات مختلفة، لكن الحقيقة واحدة: حين يأتي يوم الفصل تسقط أوهام الاتكاء، ويقف الإنسان أمام عمله.

ثم تقطع كلمة واحدة كل أمل في هذه الصفقة:

﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى ۝ نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ۝ تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ۝ وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: 15–18].

لا فداء.

وتأمل:

﴿تَدْعُو﴾.

في الدنيا جاءت دعوة الوحي فأدبر وتولى، وفي الآخرة تدعوه لظى.

ثم تكشف السورة أثر هذا الإدبار في المال:

﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: 18].

جمع ثم حبس وأمسك.

وهنا تتهيأ السورة للكشف عن الجذر النفسي الذي أنتج كل هذه الصور:

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ۝ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ۝ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: 19–21].

القرآن يفسر الهلع بنفسه.

إذا مس الإنسان الشر جزع، وإذا مسه الخير منع.

إنه لا يختبر بالنقص وحده؛ بل بالزيادة أيضًا.

قد يكشف المرض فقرك، وقد يكشفه غناك.

قد يكشفه ما أخذه الله منك، وقد يكشفه ما أعطاك.

والتعبير بـ﴿مَسَّهُ﴾ دقيق؛ فقد يكفي أن يمسه شيء من الشدة ليظهر الجزع، وأن يمسه شيء من الخير ليظهر المنع.

فالهلع في عمقه أن تدور النفس حول نفسها: تريد دفع الألم عنها، وحبس النعمة لها.

وقد رأينا هذه النفس قبل قليل في أقصى صورها: مستعدة أن تقدم من في الأرض جميعًا ثم ينجيها.

لكن القرآن لا يقرر طبيعة الإنسان ليتركه أسيرها.

تأتي الكلمة التي تفتح باب التحول:

﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: 22].

يمكن للإنسان أن يتغير.

ويمكن للنفس أن تزكو.

وأول معارجها الصلاة.

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: 23].

لم يقل فقط: يصلون، بل يدومون على صلتهم بالله.

فالهلوع يعيش وكأن رزقه وأمنه ومستقبله محصور فيما يملك الآن، أما الصلاة فتعيده مرة بعد مرة إلى الحقيقة الكبرى: الله أكبر.

أكبر من الخوف.

وأكبر من الحاجة.

وأكبر من المال.

وأكبر من الناس.

وأكبر من الظرف الذي يحاصرك.

ثم يظهر أثر الصلاة مباشرة في المال:

﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ۝ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 24–25].

هنا تقف السورة أمام صورتين للمال:

﴿جَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: 18].

وفي الجهة الأخرى:

﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: 24].

الأول وصلت إليه النعمة فانتهت عنده.

والثاني وصلت إليه النعمة فخرج أثرها منه إلى غيره.

فالسؤال القرآني ليس فقط: كم رزقك الله؟

بل: ماذا خرج من هذا الرزق؟

والسائل تظهر حاجته بالسؤال، أما المحروم فقد لا يصل صوته إليك؛ ولذلك لا يكفي في المجتمع المؤمن أن نقول: لم نرد محتاجًا جاءنا، بل ينبغي أن نسأل: من حولنا محروم لم يأت؟

ثم يأتي المعراج الذي يصحح مقياس الزمن:

﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج: 26].

في أول السورة:

﴿يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: 6].

وهنا أناس صدقوا به حتى دخل في قراراتهم.

من استحضر يوم الدين لا يتعامل مع المال كما يتعامل معه من يرى الدنيا نهاية الطريق، ولا مع الشهوة، ولا مع الظلم، ولا مع الأمانة.

فالآخرة حين تدخل القلب تعيد ترتيب الدنيا.

ثم:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ۝ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: 27–28].

مع الصلاة والعطاء والتصديق لا يصيبهم الغرور.

يرجون رحمة الله، لكنهم لا يحولون الرجاء إلى أمان من الحساب.

وتأمل قوله:

﴿عَذَابِ رَبِّهِمْ﴾ [المعارج: 27–28].

هو ربهم الذي خلقهم ورباهم وأنعم عليهم، ومن صدق في معرفة ربه أخذ تحذيره كما أخذ بشارته.

ثم يدخل الإيمان إلى الشهوة:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ۝ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ۝ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج: 29–31].

فالعبودية ليست صلاة منفصلة عن الجسد، وإنما أن تدخل حدود الله إلى رغبات الإنسان أيضًا.

الشهوة تقول: أريد الآن.

والإيمان يقول: هناك حد.

والعفة لا تلغي الفطرة، بل تحفظها داخل الطريق الذي شرعه الله.

ثم تنتقل السورة إلى المسؤولية:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المعارج: 32].

اختارت لفظ الرعاية؛ فالأمانة لا تحمل لحظة ثم تنسى، وإنما ترعى وتحفظ.

ويدخل في ذلك ما اؤتمن عليه الإنسان من مال وكلمة وسر ومسؤولية وحق وعمل وعهد بحسب حاله.

ثم تفرد السورة الشهادة:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: 33].

الأمانات والعهود يرعونها، أما الشهادة فيقومون بها.

فالحق لا يكفي أن تعرفه في قلبك؛ فقد تأتي لحظة يحتاج فيها إلى من يقوم به.

وهنا يخرج بناء السورة من صلاح الفرد إلى عدل المجتمع؛ فالمؤمن ليس مستقيمًا في شأنه الخاص فقط، وإنما أمين في حقوق الناس، قائم بالشهادة حين يحتاج الحق إليها.

ثم تعود السورة إلى حيث بدأت رحلة العلاج:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: 34].

بدأت صفاتهم:

﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: 23].

وانتهت:

﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: 34].

الديمومة تحفظ الصلاة من الانقطاع، والمحافظة تحفظها من التضييع.

وبينهما بني الإنسان كله: ماله، وآخرته، وخوفه، وشهوته، وأمانته، وعهده، وشهادته.

كأن السورة تقول: ابدأ بالصلاة، وابن حياتك بين صلاتين، ثم عد إلى الصلاة لتحفظ ما بنيت.

والنتيجة:

﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: 35].

تأمل الفرق.

المجرم كان يريد:

﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ [المعارج: 14].

مجرد النجاة، ولو قدم أهل الأرض جميعًا.

أما هؤلاء ففتحوا أيديهم، وحفظوا حقوق غيرهم، وقاموا بالأمانة والشهادة، فلم ينالوا مجرد النجاة:

﴿فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: 35].

من عاش لنفسه وحدها بحث يوم القيامة عن النجاة، ومن عاش عبدًا لله قائمًا بحقوقه وحقوق عباده أكرمه الله.

ثم تعود السورة إلى المكذبين:

﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ۝ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ ۝ أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [المعارج: 36–38].

إنهم قريبون من النبي ﷺ بأجسادهم، مجتمعون حوله جماعات، لكن القرب من الحق لا يعني أنك من أهله.

السؤال: ماذا صنعت بك الرسالة؟

ثم:

﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [المعارج: 38].

إنها مشكلة أخرى من مشكلات النفس:

الطمع في النهاية دون السير في الطريق.

يريد الجنة، لكنه لا يريد معارجها.

وهذه ليست قضية المكذبين وحدهم التي نقرأها من بعيد؛ بل ميزان نعرض عليه أنفسنا: ما مقدار حضور الجنة في برنامج حياتنا؟ ماذا صنعت في صلاتنا وأموالنا وشهواتنا وأماناتنا ومواقفنا من الحق؟

فالأماني لا تقوم مقام الطريق.

﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: 39].

كلمة ﴿كَلَّا﴾ قطعت قبل ذلك وهم الفداء:

﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى﴾ [المعارج: 15].

وهنا تقطع وهم الاستحقاق بالأماني.

لا النجاة تشترى يوم القيامة بفداء، ولا الجنة تنال في الدنيا بطمع مجرد من الإيمان والعمل.

ثم يردهم القرآن إلى أصل خلقهم:

﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: 39].

فما لهذا المخلوق الضعيف يتكبر على ربه؟

ثم يأتي القسم:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ۝ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [المعارج: 40–41].

الذي يملك المشارق والمغارب ويجري هذا الكون في مواقيته قادر على الخلق والاستبدال، لا يعجزه أحد ولا يفوته أحد.

وهنا تعود قضية التوقيت التي بدأت بها السورة.

الإنسان يستعجل، لكن الشمس لا تختار موعدها، والكون لا يضع لنفسه أجله.

فللوعد موعد كما للكون نظام.

وتأتي سنة الاستبدال:

﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [المعارج: 41].

الدين لا يتوقف علينا.

وحمل الحق شرف لنا، لا فضل منا على الله.

فإذا تولى جيل أو قوم، فالله قادر على أن يأتي بخير منهم.

﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [المعارج: 41].

فلا ينبغي أن يخدعنا طول إمهال الظالم، ولا امتداد قوته، ولا كثرة ما يملك.

الإمهال ليس إفلاتًا، وتأخر الأخذ ليس عجزًا.

ثم يقول الله لنبيه ﷺ:

﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: 42].

ولفظة ﴿حَتَّى﴾ وحدها تهدم وهم الاستمرار.

للخوض حتى.

وللعب حتى.

وللإمهال حتى.

وللطغيان حتى.

ليس معنى ذلك ترك الدعوة أو التكليف، وإنما ألا يتحول عناد المكذبين بعد البيان إلى اضطراب في قلب المؤمن.

ثم يأتي اليوم:

﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ۝ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۚ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: 43–44].

وهنا تغلق السورة دائرتها.

في أولها استعجلوا:

﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: 1].

ثم استبعدوا:

﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: 6].

وفي آخرها:

﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: 43].

استعجلوا الموعد ساخرين، فلما جاء الموعد خرجوا إليه مسرعين لا يملكون تأخيره.

وبدأت السورة بفم يسأل متحديًا، وانتهت بأبصار خاشعة:

﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [المعارج: 44].

ثم يأتي الجواب الذي لم يعد يحتاج إلى جدال:

﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: 44].

ختامًا، سورة المعارج لا تحدثنا عن القيامة لننتظرها فقط، بل لتغير الإنسان قبل أن يلقاها.

إنها تكشف أن الهلع أوسع من الخوف: هو أن تريد الحياة وفق رغبتك وتوقيتك ومصلحتك؛ فإذا تأخر المطلوب استعجلت، وإذا مسك الشر جزعت، وإذا مسك الخير منعت، وإذا تحركت الشهوة تجاوزت، وإذا ملكت جمعت فأوعيت، وإذا حدثت بالآخرة استبعدتها، ثم ربما طمعت في الجنة دون أن تسلك طريقها.

فتأتي السورة لتعيد بناء العبودية.

إذا تأخر الوعد:

﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: 5].

وإذا أعطاك الله:

فليكن في مالك ﴿حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: 24].

وإذا تحركت نفسك:

فلتضبطها حدود الله.

وإذا اؤتمنت:

فكن راعيًا.

وإذا احتاج الحق إلى شهادتك:

فكن قائمًا.

وحتى تستطيع ذلك كله:

كن من ﴿الْمُصَلِّينَ﴾، ودم على صلاتك، وحافظ عليها.

فأكبر معراج تصنعه السورة في الإنسان أن ترفعه من أن يكون عبدًا للحظة إلى أن يكون عبدًا لله، يرى الدنيا بعين الآخرة، ويعمل في الحاضر وهو يعلم أن كل وعد آت، وأن ما يراه الناس بعيدًا قد جعله الله قريبًا.

شارك المقال