سورة المسد… حين تسقط شبكات الأمان الوهمية
شبكات الأمان الزائفة من مال وجاه وقرابة تتلاشى أمام ميزان المسؤولية، لتكشف سورة المسد أن نجاة المرء مرهونة بما تصنعه يداه لا بما يتكئ عليه.
قال الله تعالى:
قد يحيط الإنسان نفسه بما يظنه أسبابًا كافية للأمان: اسم عائلة معروف، ومال يفتح له الأبواب، وأناس يقفون معه في كل موقف. ثم تمر عليه سورة المسد فتسأله: ماذا تنفع هذه الأشياء إذا كان الطريق الذي تسلكه يقودك إلى الخسران؟
كان أبو لهب عمَّ نبينا محمد ﷺ. وحين جمع النبي ﷺ قومه على الصفا لينذرهم، ردّ عليه عمه مستنكرًا دعوته. فجاءت السورة تذكره بكنيته وتحكم على مآله. هذا القرب الذي قد يتكئ عليه الناس لم يغيّر شيئًا من حقيقة موقفه: رسول الله ﷺ يدعوه إلى الحق، وهو يختار أن يؤذيه ويصدّ عنه.
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1].
يفتتح القرآن بخسران اليدين، ثم بخسران صاحبهما. واليدان موضع ما نباشره ونصنعه؛ فتنقلنا بداية السورة من السؤال عمن يكون الإنسان في نسبه ومكانته إلى السؤال عما فعل. قد يكون قريبًا من أهل الخير، ويسمع منهم الحق، ثم يمضي بيديه في طريق آخر.
والقرابة نفسها نعمة، وقد تكون بابًا عظيمًا للنصح والرحمة. لكنها لا تُنجي أحدًا لمجرد انتسابه إلى صالح. قال الله في شأن ابن نوح عليه السلام: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: 46]. وضرب المثل بامرأتي نوح ولوط عليهما السلام؛ فلم تُغنِ عنهما زوجيتهما لنبيين. وهنا، في سورة المسد، لم تُغنِ عن أبي لهب قرابته من نبينا محمد ﷺ.
فلا نزدري الأهل والروابط، وإنما نضعها في موضعها: نعمة تُشكر، ومسؤولية تُؤدّى، وليست وثيقة تُعفي صاحبها من حساب عمله.
ثم تأتي شبكة الأمان الثانية التي قد يتكئ عليها الإنسان:
﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: 2].
لم يقل القرآن إن أبا لهب لم يكن يملك شيئًا؛ بل قال إن ما ملكه وكسبه لم يُغنِ عنه. وهذا فرق بالغ الأثر. فقد يملك المرء مالًا يحسن به إلى الناس، ويصل به رحمه، ويدفع به حاجة محتاج. لكن الوهم يبدأ حين يظن أن ما في يده قادر على دفع كل عاقبة عنه، حتى العاقبة التي يصنعها باختياره.
و﴿مَا كَسَبَ﴾ [المسد: 2] تفتح النظر إلى ما حصّله الإنسان وجمعه حوله. قد يتسع له مال وجاه وأعوان، لكن شيئًا من ذلك لا يحمل عنه مسؤولية ما قال أو فعل. وكم من إنسان يبدو قويًا في حسابات الناس، لأنه يملك أسباب التأثير، وهو أحوج ما يكون إلى أن يسأل نفسه: هل استعملت ما أُعطيت في نفع وعدل، أم جعلته عونًا على أذى غيري؟
ثم تُصرّح السورة بالعاقبة التي لم يدفعها المال ولا الكسب:
﴿سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: 3].
وبين كنية أبي لهب وذكر النار ذات اللهب وقع شديد. الاسم الذي عُرف به في الدنيا يجاوره ذكر ما توعّده الله به في الآخرة؛ فلا يبقى للمظهر الذي قد يلفت أنظار الناس وزن أمام حقيقة المصير.
وفي هذا الوعيد وجه آخر يستوقف المتدبر: لقد أخبرت السورة بمآل أبي لهب وهو لا يزال حيًّا يسمعها. وكان يستطيع، لو أراد مجادلة الدعوة، أن يعلن الإسلام بلسانه ليثير شبهة عند الناس حول صدق هذا الخبر؛ لكنه لم يفعل، بل بقي على عداوته حتى مات. وليس الإيمان كلمة تُقال لمجرد الجدل؛ فحقيقة القلوب يعلمها الله. وإنما موضع التأمل أن القرآن أخبر بعاقبة رجل بعينه قبل أن ينقضي عمره، فوقع ما أخبر به. وهذه إضاءة على وجه من وجوه الإخبار بالغيب في السورة.
لكن السورة لا تقف عند أبي لهب وحده؛ بل تذكر امرأته:
﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4].
لم تُذكر لأنها زوجته فحسب، وإنما لأنها شاركته في أذى النبي ﷺ. وذكر المفسرون من صور ذلك أنها كانت تلقي الشوك في طريقه، وذكروا أنها كانت تنقل الكلام على وجه يُشعل العداوة. وكلا الوجهين يضع أمامنا فعلًا مؤذيًا: أذى يُحمل في اليد، أو أذى تحمله الألسنة بين الناس.
وهنا ينكشف وهم ثالث من أوهام الأمان: أن يكون حول الإنسان من يوافقه دائمًا، فيحسب كثرة المؤيدين دليلًا على صحة موقفه. ليس كل من يقف معك ناصحًا لك. فقد يحبك قريبك ويمنعك من خطأ، ويصفق لك آخر وأنت تمضي إلى ما يضرك. والوفاء الحق لا يُقاس بقدرة الزوج أو الصديق على تبرير كل فعل، بل بشجاعته في نصح من يحب قبل أن يظلم نفسه أو يظلم غيره.
ومن هذا الموضع ندخل إلى بيوتنا ومجالسنا ووسائل تواصلنا بسؤال: ماذا نحمل إلى الناس؟ تصلنا كلمة قيلت في لحظة غضب؛ فهل ننقلها حتى تشتعل خصومة؟ نرى خلافًا بين قريبين؛ فهل نزيده حديثًا وتأويلًا، أم نحاول إصلاحه؟ ليس كل كلام صحيحًا يُحسن نقله، وليس كل من جاءنا بحكاية أعاننا على الحق. قد يكون أيسر عمل صالح في موقف كهذا أن نمتنع عن حمل الحطب.
وتختم السورة بصورة موجزة:
﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [المسد: 5].
صورتها كافية لأن تجعل القارئ يقف عندها: امرأة شاركت في الأذى، ووُصفت بحمل الحطب، ثم خُتم ذكرها بحبل في جيدها. تلتقي صورة الفعل وصورة العاقبة، فلا تضيع مسؤولية الإنسان لمجرد أنه عمل مع غيره أو كان معينًا له.
وفي مجاورة سورة النصر للمسد إضاءة أخرى. هناك نقرأ: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 2]. وهنا نقرأ عاقبة أبي لهب، الذي عرف النبي ﷺ من أقرب الناس نسبًا واختار أن يعادي دعوته. قرب النسب لم يصنع له قربًا من الحق؛ فالميزان هو الاستجابة لله، لا الاسم الذي يحمله الإنسان.
ولا نقرأ السورة كي نتعجل تنزيل حكمها الخاص على أشخاص بأعيانهم في زمننا. نقرأها لنفتش عما يمكن أن يخدعنا نحن: هل أتكئ على اسم أسرتي بدل إصلاح عملي؟ هل أعدّ مالي ضمانًا يعفيني من أداء الحقوق؟ هل أطلب من الذين حولي تأييدًا دائمًا، ولو رأوني مخطئًا؟ وهل أطفئ نار الخصومة، أم أمدّها بكلمة أرسلها أو حديث أنقله؟
ختامًا، لم يكن أبو لهب محرومًا من أسباب القوة في الدنيا: كان قريبًا من نبينا محمد ﷺ، وله مال ومكانة، ووجد في بيته من يعينه على عداوته. لكن السورة تكشف أن هذه الأسباب لا تنفع صاحبها إذا جعلها سندًا للإعراض عن الحق وإيذاء الناس. لم ينفعه نسبه، ولم يُغنِ عنه ماله، ولم تكن مؤازرة امرأته نجاةً لهما؛ فقد صار كلٌّ منهما مسؤولًا عما اختار وفعل.
وهذا هو موضع السؤال لنا: ماذا نصنع بما آتانا الله؟ القرابة قد تكون بابًا للنصح، والمال قد يكون وسيلة للخير، والقرب من إنسان نحبه قد يجعلنا أقدر على ردّه عن الظلم. فإذا حوّلنا هذه النعم إلى حماية للخطأ، أو أعنّا صاحبها عليه، فقد أضعنا الخير الذي كان يمكن أن نفعله بها.
فلنقبل النصيحة ولو خالفت رغبتنا، ولنؤدِّ بالمال حقه، ولنمنع أيدينا وألسنتنا من أذى الناس. وإذا جاءتنا كلمة تشعل خصومة، فلا نكن ممن يحملون الحطب؛ وإذا رأينا قريبًا يظلم، فلا نسمِّ تأييده وفاءً، بل ننصحه ونعينه على الرجوع.
تتركنا السورة أمام ميزان لا يزول: لا يكفي أن نسأل من يقف معنا، بل ينبغي أن نسأل على أي طريق نقف، وماذا تحمل أيدينا إلى الناس، وماذا سيبقى لنا مما كسبنا حين نلقى الله.