سورة الأعلى… من عرف ربَّه الأعلى لم يجعل الدنيا هي الأعلى في قلبه
سورة الأعلى تضبط ميزان الأولويات في قلب المؤمن، ليرى حقيقة الدنيا الزائلة وسرعة تحولها، فلا يقدم عاجلها الفاني على فلاح الآخرة ونعيمها الأبقى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:
سنن التنزيل
سورة الأعلى… من عرف ربَّه الأعلى لم يجعل الدنيا هي الأعلى في قلبه
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1].
بهذه الكلمة تبدأ السورة، وكأنها تريد قبل أن تحدث الإنسان عن نفسه ودنياه وآخرته أن تضبط له الميزان الذي سيزن به كل شيء:
من الأعلى؟
الله سبحانه.
وما دام هو الأعلى، فلا ينبغي أن يعلو في القلب شيء فوق أمره، ولا أن تتحول الدنيا مهما اتسعت إلى الغاية العليا التي يعيش الإنسان من أجلها.
ومن هنا تبدأ رحلة السورة من:
﴿الْأَعْلَى﴾
حتى تصل في نهايتها إلى:
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 17].
وبين البداية والنهاية تعيد السورة ترتيب الأشياء داخل القلب.
فالمشكلة ليست أن الإنسان لا يعرف دائمًا، وإنما قد يعرف ثم يضع الأشياء في غير مراتبها، فيرفع الفاني، ويؤخر الباقي، ويجعل الوسيلة غاية، والعاجل مقدمًا على الآجل.
لذلك كانت البداية:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1].
نزّه ربك عن كل نقص، وعظمه كما يليق بجلاله.
وفي اجتماع ﴿رَبِّكَ﴾ مع ﴿الْأَعْلَى﴾ معنى يملأ القلب مهابة وطمأنينة معًا.
هو الأعلى سبحانه، ومع ذلك هو ربك.
هو الذي يربي ويرعى ويخلق ويقدر ويهدي.
فعلوه لا يعني بُعد عنايته عن عباده.
ومن عرف الأعلى لم يحتج أن يتعالى.
فالإنسان حين يعرف قدر ربه يعرف قدر نفسه، وحين يستقر العلو لله في قلبه يضعف فيه التكبر على الخلق والتفاخر عليهم بما أوتي من مال أو علم أو سلطان.
ثم تعرفنا السورة بهذا الرب الأعلى من خلال أفعاله:
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 2–3].
لم يقل: خلق الإنسان فقط، ولا خلق نوعًا بعينه.
جاء الفعل واسعًا:
﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: 2].
فحيثما وقع بصرك رأيت أثر الخلق والتسوية.
خلق، ولم يخلق عبثًا.
وسوّى، فأعطى كل مخلوق من الخلقة ما يناسب ما أراده الله له.
ثم:
﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 3].
تقدير وهداية.
قدّر للمخلوقات مقاديرها وخصائصها وأحوالها، وهداها إلى ما تقوم به حياتها بإذنه.
فهذا الكون ليس مجموعة أشياء ألقيت في الوجود ثم تركت وحدها.
وراء الخلق تقدير.
ومع التقدير هداية.
وهذه الآية تغير طريقة نظر المؤمن إلى نفسه وحياته.
فبدل أن يقضي عمره ينظر إلى ما قُدِّر لغيره ويقول: لماذا لم أُعطَ مثل فلان؟ ولماذا لم تكن ظروفي كظروفه؟ ولماذا فُتح له ما لم يفتح لي؟
تعلمه السورة سؤالًا أنفع:
كيف أهتدي إلى الله فيما قدّره لي؟
فالناس تختلف أرزاقهم وقدراتهم وأدوارهم وظروفهم، ولكن باب العبودية مفتوح لكل واحد داخل قدره.
وهذا لا يعني أن يستسلم الإنسان للعجز أو يترك السعي والتغيير، بل يعمل ويخطط ويطلب الخير ويدفع الشر، وهو يعلم أن فوق تدبيره تدبيرًا، وفوق علمه علمًا.
ثم تنقلنا السورة إلى مشهد صغير في حجمه، عظيم في دلالته:
﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: 4–5].
مرعى يخرج من الأرض.
يخضر.
يزهو.
تسر به العين.
ثم يتغير وييبس ويصير غثاء.
لماذا تُعرض علينا دورة المرعى في سورة بدأت بتعظيم الرب الأعلى وستنتهي بالمفاضلة بين الدنيا والآخرة؟
لأن الإنسان كثيرًا ما يخدعه أول المشهد.
يرى الخضرة ولا يرى ما ستصير إليه.
يرى الشباب ولا يرى ضعفه.
ويرى المال في ازدياده ولا يرى انتقاله.
ويرى المنصب في قوته ولا يرى نهايته.
ويرى الشهرة وهي تصعد ولا يرى سرعة أفولها.
والقرآن لا يمنعك أن ترى جمال المرعى، لكنه يمنعك أن تنسى نهايته.
فليس المطلوب أن تترك الدنيا، ولا أن تحرم نفسك مما أحل الله، وإنما ألا تجعل شيئًا سريع التحول أساس أمنك وغاية قلبك.
امتلك الدنيا إن جاءت من حلال، ولكن لا تجعلها تمتلكك.
وابنِ واعمل وازرع وتعلم واكسب وأعمر الأرض، ولكن تذكر دائمًا:
﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: 5].
إنها تربية على قراءة المآلات.
لا تسأل فقط: كيف يبدو هذا الشيء الآن؟
بل اسأل: إلى أين يقود؟
وهذا الميزان يصلح لعلاقة، ومال، وشهوة، ومشروع، وقرار، وموقف.
فكم من شيء يبدو أخضر في بدايته، ويحمل في داخله غثاء نهايته.
ثم تنتقل السورة من هداية الكون إلى هداية الإنسان:
الذي:
هو الذي أنزل الوحي لهداية الإنسان.
فالإنسان لم يُخلق ثم يُترك بلا بيان.
والله يطمئن نبيه ﷺ بأنه سيقرئه ويحفظ عليه ما شاء من وحيه، ويبقى الأمر كله متعلقًا بمشيئة الله:
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: 7].
وفي ذلك تربية لنا على ألا ننسب نعمنا إلى أنفسنا استقلالًا عن المنعم.
ما تحفظه، وما تفهمه، وما تحسنه، وما تستطيع القيام به، كله قائم بإمداد الله.
فلا تتحول النعمة في يدك إلى سبب للعجب، وهي التي لم تكن لتكون لولا فضل المنعم.
ثم:
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى: 7].
وهنا يلوح امتداد لطيف لما قرأناه في سورة الطارق:
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9].
فالذي ستظهر أمامه السرائر يوم القيامة يعلم اليوم الجهر وما يخفى.
قد تخفي نيتك عن الناس.
وقد تحسن صناعة صورتك أمامهم.
وقد يسيئون فهمك أيضًا فلا يعلمون خيرًا أخفيته.
لكن شيئًا من ذلك لا يخفى على الله.
ومن هنا تصبح التزكية التي ستأتي بعد قليل عملًا حقيقيًا بين العبد وربه، لا مشروعًا لصناعة صورة أمام الخلق.
ثم تأتي واحدة من أجمل بشارات السورة:
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: 8].
والتيسير هنا أعمق من أن يعني أن الطريق سيكون دائمًا بلا مشقة.
فالنبي ﷺ الذي قيل له:
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: 8]
حمل أمانة الرسالة، وصبر على الأذى، وهاجر، وجاهد، وتحمل من أعباء الدعوة ما تحمل.
إذن قد يكون الطريق شاقًا، ومع ذلك يكون من اليسرى.
وقد يكون طريق آخر سهلًا على النفس، لكنه يقود إلى الشقاء.
وهنا تصحح السورة مفهومًا نحتاج إليه كثيرًا:
ليس كل سهل يسرى، وليس كل شاق عسرًا.
وقد يكون تيسير الله لك ألا يزيل الجبل من طريقك، بل يمنحك القدرة على صعوده.
قد ييسر لك بصبر.
أو علم.
أو ثبات.
أو صاحب صالح.
أو قوة لم تكن تعرف أنها فيك.
أو باب يفتحه لك في الوقت الذي يعلمه.
فحين نسأل الله التيسير لا ينبغي أن نحصر صورة الإجابة في أن تختفي المشقة.
قد لا يغير الله الطريق الذي أمامك، ولكنه يهيئك للسير فيه.
ثم يأتي التكليف:
وهنا تظهر شبكة عجيبة في السورة:
﴿فَذَكِّرْ﴾.
﴿الذِّكْرَى﴾.
﴿سَيَذَّكَّرُ﴾.
ثم بعد قليل:
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ [الأعلى: 15].
فالذكرى لا يراد لها أن تقف عند الأذن.
مذكِّر يبلغها، وقلب يتلقاها، ثم تتحول إلى ذكر لله وحركة في الحياة.
لكن لماذا يسمع الناس القرآن نفسه ثم تختلف استجاباتهم؟
تجيب السورة:
﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: 10].
فالقضية ليست قضية معلومات فقط.
قد يعرف الإنسان الحكم ولا ينقاد.
وقد يسمع الآية عشرات المرات ولا تتغير حياته.
وقد تكون آيات القرآن في هاتفه وبيته وسيارته، ويبقى قلبه بعيدًا عنها.
قرب النص من يدك لا يعني قربه من قلبك.
الخشية تفتح في القلب باب الانتفاع بالذكرى.
وفي المقابل:
﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى: 11].
وتأمل:
﴿يَتَجَنَّبُهَا﴾.
ليس شرطًا أن يعلن الإنسان الحرب على القرآن حتى يُحرم أثره.
قد يعرف أين الذكرى ثم يتجنبها.
يعرف الآية التي ستواجه هواه فلا يريد سماعها.
ويعرف النص الذي سيغير عادته فيبتعد عنه.
ويعرف النصيحة التي يحتاجها، لكنه يختار من الكلام ما يريحه لا ما يصلحه.
ومن أخطر أنواع الهجر أن تعرف أين الدواء ثم تظل تتجنبه.
وهنا درس عظيم للداعية والمربي والوالدين.
وظيفتك أن تذكر، وتعلم، وتربي، وتحسن البلاغ، وتصبر، وتكون قدوة.
لكن قلب من أمامك ليس في يدك.
لا تترك التذكير لأن النتيجة تأخرت، ولا تتحول التربية عندك إلى محاولة للسيطرة على القلوب.
ازرع.
واسق.
واصبر.
فليس كل زرع يخرج في اليوم الذي زرعته فيه.
وسيأتي في سورة الغاشية ما يقرر حدود هذه الوظيفة بوضوح:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21–22].
فالتيسير لك في القيام بالرسالة لا يعني أن تملك نتائج الرسالة في قلوب الآخرين.
ثم تعرض السورة نهاية من أغلق قلبه عن الذكرى:
﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: 12–13].
الأشقى.
والنار الكبرى.
وهنا تبدأ شبكة أخرى من ألفاظ السورة:
﴿الْأَعْلَى﴾.
﴿الْيُسْرَى﴾.
﴿الْأَشْقَى﴾.
﴿الْكُبْرَى﴾.
﴿أَبْقَى﴾.
إنها سورة موازين ومفاضلات.
والإنسان نفسه يعيش بالمفاضلة: يقدم شيئًا ويؤخر آخر، يختار طريقًا ويترك غيره.
ولذلك ليست المشكلة في وجود الاختيارات، وإنما في الميزان الذي نزن به الاختيارات.
ثم يقلب القرآن المشهد من الأشقى إلى المفلح:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14–15].
بدأ بالنتيجة:
هناك فلاح.
هناك طريق مفتوح.
ثم وصف صاحبه:
فالتزكية تنظيف ونماء وإصلاح للداخل، وتحرير للقلب مما يفسده ويبعده عن الله.
لكن السورة لا تترك التزكية فكرة داخلية غامضة.
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 15].
تزكى.
فذكر.
فصلى.
قلب يتطهر، ولسان يذكر، وجسد يسجد.
فالداخل الصالح يطلب أثرًا في الخارج.
وإذا ادعى الإنسان تزكية لا تغير شيئًا من عبادته وأخلاقه واختياراته، فعليه أن يعيد النظر في حقيقة ما يسميه تزكية.
واللافت أن السورة بدأت:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1].
ثم ها هي عند طريق الفلاح تقول:
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 15].
بدأت باسم الرب، وعاد اسم الرب في ثمرة التزكية.
في البداية أمر للنبي ﷺ:
﴿رَبِّكَ﴾.
ثم صار وصفًا لطريق كل من يطلب الفلاح:
﴿رَبِّهِ﴾.
وكأن السورة تقول: هذا الطريق الذي تلقاه النبي ﷺ يتحول إلى حياة فيمن استجاب للذكرى.
ولكن هناك عقبة كبرى أمام هذا الطريق:
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: 16].
ولعل كلمة:
﴿تُؤْثِرُونَ﴾
من أكثر كلمات السورة كشفًا لحقيقة الإنسان.
لم يقل: لا تعلمون أن هناك آخرة.
بل كشف مشكلة أعمق:
تعرف، ثم تختار غير ما يقتضيه علمك.
والإيثار لا يظهر إلا عند التزاحم.
إذا لم تتعارض الدنيا مع الآخرة، فمن السهل أن تقول إنك تريد الآخرة.
لكن ماذا يحدث عندما يعرض عليك مال سريع من طريق لا يرضي الله؟
وعندما يكون الصدق مكلفًا والكذب أسهل؟
وعندما تتعارض شهوة عاجلة مع حد من حدود الله؟
وعندما تريد النفس الانتقام بينما يكون العفو أقرب إلى مرضاة الله؟
هناك تظهر حقيقة:
﴿تُؤْثِرُونَ﴾.
ولذلك فإن من أنفع الأسئلة التي يمكن أن يسألها الإنسان لنفسه:
ماذا أقدم عندما تتزاحم الأشياء التي أحبها؟
فاختياراتك اليومية تكشف لك شيئًا من ترتيب قلبك قبل أن تأتي الطارق فتقول:
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9].
إن أردت أن تعرف شيئًا من سريرتك، فلا تسأل فقط ماذا تحب؛ انظر ماذا تقدم عندما تتزاحم المحبوبات.
ثم يصحح القرآن الميزان:
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 17].
كلمتان تهدمان كثيرًا من أوهام الدنيا:
﴿خَيْرٌ﴾.
و﴿أَبْقَى﴾.
خير في حقيقتها.
وأبقى في مدتها.
وهنا نفهم لماذا أرانا الله المرعى في أول السورة:
﴿أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: 4–5].
فالدنيا لها اخضرار.
والآخرة لها بقاء.
والمشكلة أن العين ترى اخضرار الدنيا الآن، ولا ترى الآخرة الآن.
ولهذا جاء الوحي ليمنح الإنسان القدرة على رؤية المآل قبل وصوله.
لا تجعل اخضرار اللحظة يخدعك عن نهايتها.
ولا يعني ذلك أن تترك المرعى، بل أن تعرف أنه مرعى.
انتفع به، ولا تبع الباقي من أجله.
وفي عصر يقوم جانب كبير منه على العاجل، تصبح هذه الآية ميزانًا شديد الأهمية.
نتيجة الآن.
ربح الآن.
شهرة الآن.
متعة الآن.
استجابة الآن.
والقرآن يعيد إدخال البعد الذي يحاول العاجل أن يمحوه:
﴿أَبْقَى﴾.
فليس السؤال فقط:
ماذا سأحصل عليه الآن؟
بل:
ما الخير؟ وما الأبقى؟
وهذا ميزان يصلح للفرد والأسرة والمجتمع والأمة.
قد تختار أمة مكسبًا عاجلًا وتدفع ثمنه من قيمها ومستقبلها.
وقد تضحي أسرة بتربية أبنائها من أجل مكاسب آنية.
وقد يبيع إنسان دينه أو كرامته أو أمانته من أجل شيء يلمع لحظة ثم يصير غثاء.
وسورة الأعلى تقول:
تعلم أن تقرأ النهاية وأنت ما زلت في البداية.
ثم تختم السورة:
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: 18–19].
فهذا الميزان ليس موعظة عابرة لجيل واحد.
الإنسان القديم عرف فتنة الدنيا، والإنسان المعاصر يعرفها.
تغير شكل المرعى، لكن المرعى بقي مرعى.
تغيرت العملات والبيوت والأسواق والمراكب ووسائل الشهرة، لكن امتحان القلب بقي هو نفسه:
ماذا تؤثر؟
والطريق الذي تدعوك إليه السورة ليس طريقًا اخترع اليوم.
إنه ممتد في موكب النبوات.
إبراهيم وموسى عليهما السلام، والرسالات التي جاءت من عند الله، كلها تربط الإنسان بربه، وتدعوه إلى تزكية نفسه، وألا يبيع الباقي بالعاجل.
وهذا يخفف عن المؤمن وحشة الطريق.
قد تتغير ثقافة عصره، وقد يصبح بعض ما يتمسك به غريبًا في محيطه، لكنه لا يسير بلا سلف.
إنه يسير في طريق الأنبياء.
وإذا نظرنا إلى موضع الأعلى بين الطارق والغاشية، ظهر لنا تناسب لطيف.
قالت الطارق:
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9].
ثم جاءت الأعلى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14].
ستُكشف السريرة؟
إذن زكها قبل أن تُكشف.
ثم تأتي الغاشية لتعرض الوجوه والمصائر:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: 2].
وفي المقابل:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: 8–9].
فتبدو أمامنا حركة تدبرية بديعة:
سريرة تُكشف، ونفس تتزكى، وسعي تظهر عاقبته على الوجوه.
وفي الطارق:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: 13].
وفي الأعلى:
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: 6] ثم ﴿فَذَكِّرْ﴾.
وفي الغاشية:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: 21].
فالقول الفصل لا يبقى محفوظًا في الصحف أو الصدور؛ يتحول إلى ذكرى تتحرك بين الناس.
ختامًا، سورة الأعلى تعيد بناء سلّم الأولويات في قلب الإنسان.
تبدأ بأن تقول لك:
﴿رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1].
ثم تعرفك به:
هو الذي خلق فسوى.
وقدر فهدى.
وأخرج المرعى ثم أراك نهايته.
وأنزل الوحي.
ويسر لليسرى.
وأمر بالتذكير.
ثم وضعتك أمام طريقين:
قلب يخشى فيتذكر، ونفس تتجنب حتى تبلغ الشقاء.
ثم أعطتك طريق الفلاح:
﴿تَزَكَّى﴾.
﴿وَذَكَرَ﴾.
﴿فَصَلَّى﴾.
وأخيرًا وضعت يدها على موضع الامتحان:
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ [الأعلى: 16].
فالقضية في النهاية قضية ميزان.
مَن الأعلى في قلبك؟
وما الذي تؤثره عندما تتعارض الرغبات؟
وهل ترى اخضرار المرعى فقط، أم ترى الغثاء الذي سيصير إليه؟
وهل تقيس قراراتك بما يلمع الآن، أم بما هو:
﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 17]؟
فمن عرف ربَّه الأعلى، لم يجعل الدنيا هي الأعلى في قلبه.
ومن عرف أن المرعى سيصير غثاءً، انتفع بخضرته ولم يفتتن بها.
ومن علم أن الآخرة خير وأبقى، لم يبع الباقي بالعاجل.
ومن تلقى الذكرى بقلب يخشى، لم تبق الذكرى معلومة في رأسه، بل صارت تزكية وذكرًا وصلاة واختيارًا.
وهنا تبلغ السورة غايتها:
أن يصبح الأعلى سبحانه أعلى في قلبك، والأبقى أعلى في ميزانك، واليسرى هي الطريق الذي تختاره، والفلاح هو الغاية التي تسعى إليها.