سورة الكوثر… حين أخطأ الشانئون في حساب البقاء
ميزان البقاء في سورة الكوثر يصحح حسابات الشانئين؛ فالعطاء الحقيقي يثبته الإخلاص لله، بينما تتبدد أوهام المبغضين حين يعجز الفقد عن محو أثر المصلحين.
قال الله تعالى:
قد يرى الإنسان لحظة فقد، فيظن أنه عرف منها خاتمة غيره. ينظر إلى ما غاب عن يده، ثم يحكم على ما سيبقى من أثره. وهكذا عيّر بعض المشركين النبي ﷺ بعد وفاة أبنائه الذكور، وتوهّموا أن ذكره سينقطع.
فجاءت سورة الكوثر، في ثلاث آيات، تصحح الميزان الذي حكموا به. ولم تبدأ بقول الشانئين، بل بدأت بخبر من الله:
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1].
الكوثر هو الخير الكثير الذي أكرم الله به نبينا محمدًا ﷺ، ومنه النهر الذي وعده به في الجنة. فالشانئ يرى موضعًا يظنه سببًا للانتقاص، والله يُخبر نبيه بعطائه. وما أبعد ما يحصيه المبغض في لحظة عما يعلمه الله من فضلٍ وهبه لعبده ورسوله!
وفي قوله ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ خطاب مباشر للنبي ﷺ. لم يُطلب منه أن يبحث في أحكام خصومه عن قيمته، بل جاءه الخبر ممن بيده العطاء. وبذلك تضع السورة سؤالًا قبل كل حديث عن الإساءة: من الذي أعطى؟ وماذا يملك الشانئ، مهما اشتد بغضه، أن ينقص مما أعطاه الله؟
ثم تنتقل من خبر النعمة إلى ما يقتضيه شكرها:
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2].
تصل الفاء بين العطاء والعبادة. فالذي أعطى هو الذي يُصلَّى له، وله يكون النحر. هنا لا يبقى الشكر خاطرًا يمر في القلب، بل يصير عملًا خالصًا لله. والصلاة والنحر عبادتان يظهر فيهما أن وجهة العبد إلى ربه، لا إلى من يمدحه أو يذمه.
وفي قوله ﴿لِرَبِّكَ﴾ قربٌ يطمئن القلب: توجّه إلى ربك الذي أخبرك بعطائه. فإذا أراد الشانئ أن يشدّ انتباه النبي ﷺ إلى قوله الجارح، وجّهته السورة إلى صلته بربه. ولم تمنع بذلك الردّ على الإساءة؛ فالآية الأخيرة ستردّ عليها ردًّا حاسمًا. لكنها لم تجعل الإساءة هي التي تختار للنبي ﷺ ما يفعل، أو تصرفه عن عبادته ورسالته.
وهنا تتضح سنة تربوية نستضيء بها في واقعنا: لا تسلّم زمام عملك لمن يزدريك. قد تحتاج إلى بيان الحق، أو دفع ظلم، أو حماية من وقع عليه الأذى؛ فافعل ما يلزم. ثم احذر أن تستهلكك الخصومة حتى تترك ما وجب عليك بناؤه. فالعبادة الصادقة والعمل النافع لا ينتظران رضا الشانئين.
وفي مجاورة سورة الماعون للكوثر إضاءة تزيد هذا المعنى وضوحًا. ففي الماعون تحذير من قوم ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 5]، ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: 6]؛ وفي الكوثر أمر: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ [الكوثر: 2]. هناك تظهر عبادة اختلّت رعايتها ووجهتها، وهنا يتأكد أن الصلاة لله. وفي الماعون منعٌ لأيسر وجوه النفع، وفي الكوثر عطاء من الله يجيء بعده أمرٌ بنسك يُبذل فيه من المال.
والنحر هنا عبادة لله وشكر له؛ فإذا انتفع به محتاج، اجتمع الإخلاص ونفع الناس. لا نجعل النسك مجرد صورة يراها الناس، ولا نفصل صدق عبادتنا عن الرحمة التي علّمنا القرآن أن نحملها للضعفاء.
ثم يأتي الحكم في آخر السورة:
﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3].
الشانئ هو المبغض. أراد أن يصف النبي ﷺ بالانقطاع، فجاء الجواب بأن هذا الوصف أحقّ به هو. وبهذا يقابل ختام السورة مطلعها: الكوثر عطاء كثير من الله لنبيه، والأبتر حكم الله على مبغضه. لقد نظر الشانئ إلى الفقد، ولم يعرف كيف يحسب العطاء. وأطلق حكمه على ما سيبقى، فجاءه الحكم ممن يعلم المآل.
ولفظ ﴿شَانِئَكَ﴾ يلفت النظر إلى البغض الذي صدر عنه هذا الكلام. فليس كل اختلاف مع إنسان شنآنًا، ولا كل نقدٍ إساءة. أما أن يجعل المرء مصاب غيره مادةً للازدراء، ثم يزعم أنه عرف بذلك منزلته ومصيره، فهذا يكشف فساد ميزانه قبل أن يكشف شيئًا عن الذي عيّره.
ونحن حين نتدبر السورة، نحفظ أولًا خصوصية الخطاب فيها: عطاء الكوثر للنبي ﷺ، والردّ على مبغضه. ثم نأخذ منها ما يصلح قلوبنا وأعمالنا. لا نحكم على إنسان من لحظة فقد، ولا نجعل المال أو الولد أو ثناء الناس وحدها مقياس بقاء أثره. وقد يعمل المرء صالحًا لا يعرف الناس اسمه، ويبقى عمله محفوظًا عند الله.
فإن أصابنا فقد، لم تطلب منا السورة أن ننكر ألمنا، وإنما تعلّمنا ألا نجعل الألم حكمًا نهائيًا على حياتنا. وإن آذانا قول الناس، فلنراجع ما يلزمنا من حق وعمل، ولا نترك الإساءة تستغرق أعمارنا. وإن أُعطينا نعمة، فلنسأل عن شكرها: هل تقرّبنا إلى الله؟ وهل ظهر أثرها في أداء حق أو نفع عبد من عباده؟
ختامًا، تبدأ السورة بما أعطى الله، وتضع في وسطها ما أُمر به نبيه ﷺ، وتنتهي بتصحيح حكم الشانئ. تلك هندستها التي تحفظ القلب والعمل معًا: أن يعرف الإنسان جهة العطاء، ويخلص للمنعم عبادته، وألا يسمح لكلمة مبغض أن تُنسيه ما عليه فعله.
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1].
عطاءٌ من الله، وشكرٌ لله، وحكمٌ لله فيما يبقى وما ينقطع.