سنن التنزيل
مقال

عيد الأضحى… حين ينتصر التسليم على الألم

  • 4 دقائق للقراءة
  • 5 آيات

عيد الأضحى يحيي في النفوس حقيقة التسليم المطلق لله، حين يقهر اليقين مرارة الفقد، فيتحول البلاء في أحب الأشياء إلى رفعة وكرامة وفداء.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

*عيد الأضحى… حين ينتصر التسليم على الألم*

من إبراهيم وإسماعيل إلى غزة: سنة الابتلاء والفداء

في كل عيد أضحى تعود الأمة إلى مشهد من أعظم مشاهد الإيمان في تاريخ البشرية؛ مشهد إبراهيم عليه السلام وهو يمضي بأغلى ما يملك استجابة لأمر الله، ومشهد إسماعيل عليه السلام وهو يستقبل البلاء بقلب مؤمن مطمئن.

لم يكن المشهد قصة ألم فقط، بل كان إعلانًا عن سنة عظيمة من سنن الله:

أن أعظم الابتلاءات قد تأتي في أحب الأشياء إلى القلب، وأن صدق التسليم لله يحول المحنة إلى رفعة، والدمعة إلى أجر، والألم إلى طريق للكرامة.

لقد انتظر إبراهيم عليه السلام الولد بعد سنوات طويلة من الشوق، فلما جاء إسماعيل لم يُبتلَ بماله ولا بمكانته، بل ابتُلي بأعز ما استقر في قلبه.

وهنا يظهر معنى الابتلاء الحقيقي؛ فالله لا يختبر الإنسان فيما لا قيمة له عنده، وإنما يختبره فيما يكشف حقيقة تعلقه به.

لحظة التسليم الكبرى

كان الموقف أعظم من أن تحتمله النفوس، لكن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قدما أعظم درس في الاستجابة:

قال تعالى:

﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: 103].

لم يكن الإسلام هنا مجرد كلمة، بل كان تسليمًا كاملًا؛ انتصر فيه أمر الله على شدة الألم، وانتصر اليقين على رهبة الفقد.

ومع ذلك لم تكن العاطفة غائبة؛ فإبراهيم أب، وإسماعيل ابن، وأم إسماعيل أمّ تحمل في قلبها فطرة الرحمة والخوف على ولدها.

لكن الإيمان لا يلغي مشاعر الإنسان، وإنما يمنحها ميزانًا أعلى: أن تكون محبة الله فوق كل محبة، والثقة بحكمته فوق كل ألم.

ثم جاء الفرج من حيث لا يتوقع البشر:

﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107].

فلم يكن المقصود أن يُهلك الله عبده، وإنما أن يرفع مقامه، ويجعل من لحظة الابتلاء شعيرةً خالدة يتعبد بها المؤمنون إلى قيام الساعة.

إسماعيل… جيل يحمل الإيمان

ولم يكن الامتحان لإبراهيم وحده، فقد سجل القرآن موقف إسماعيل عليه السلام:

﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102].

فالإيمان لا يُورث بالكلمات، بل يُبنى في القلوب حتى يصبح صاحبه قادرًا على حمل الأمانة عند الشدائد.

وهذه سنة من سنن بناء الأمم:

أن الرسالات لا يحملها جيل واحد، بل يحملها أبناء تربوا على اليقين والصبر والتسليم.

غزة… حين يعود معنى الأضحية إلى الحياة

وفي هذا العصر تقف غزة أمام الأمة بمشهد يعيد إلى الأذهان معاني الصبر والثبات.

هناك أمٌّ فقدت ولدها، وأبٌ ودّع أبناءه، وعائلة عاشت الفقد والدمار، ومع ذلك بقي في قلوب كثير منهم يقين بأن الله يرى ويسمع، وأن البلاء مهما اشتد لا يضيع عنده شيء.

إن مأساة غزة لا تُقرأ فقط من زاوية الألم، بل أيضًا من زاوية الإنسان الذي يصنعه البلاء؛ الإنسان الذي يبقى متمسكًا بالله رغم الجراح.

فالأضحية ليست دمًا يُراق فقط، بل معنى أعمق:

أن يقدم الإنسان لله ما يستطيع، وأن يبقى ثابتًا حين تكون التضحية هي ثمن الموقف.

قال تعالى:

﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [الحج: 37].

فالله لا ينظر إلى صورة العمل فقط، وإنما إلى القلب الذي يقف وراءه.

سنة الله بعد الابتلاء

لقد ظن الطغاة عبر التاريخ أن الألم يكسر أهل الحق، وأن كثرة الجراح تطفئ جذوة الإيمان.

لكن سنن الله تعلمنا غير ذلك.

فالنار التي أُلقي فيها إبراهيم جعلها الله:

﴿بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69].

والذبح الذي كان امتحانًا صار فداءً ورحمة.

وهكذا يعلم المؤمن أن البلاء ليس دائمًا علامة هزيمة، فقد يكون طريقًا إلى منزلة لا تُنال إلا بالصبر.

الرسالة الخالدة لعيد الأضحى

يأتي عيد الأضحى كل عام ليذكرنا:

أن الإنسان قد يُبتلى فيما يحب، لكنه لا يخسر إذا بقي مع الله.

وأن الفرج قد يتأخر، لكن وعد الله لا يتخلف.

فإبراهيم سلّم فجاء الفداء.

وإسماعيل صبر فجاء التكريم.

وكل من صدق مع الله فإن الله قادر أن يجعل من صبره بابًا للرحمة والرفعة.

وفي غزة اليوم ترتفع التكبيرات وسط الألم:

«اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ».

تكبيرات تحمل الدمع واليقين، وتقول للأجيال:

قد يشتد البلاء، وقد يطول الطريق، لكن المؤمن الذي عرف الله لا ينكسر؛ لأنه يعلم أن ما عند الله أعظم، وأن بعد الصبر فرجًا، وأن الله لا يضيع ثبات الصادقين.

﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107].

شارك المقال