أدب التغافل يقوم على تقديم السؤال الهادئ لفهم دوافع الناس والتماس أعذارهم قبل معاتبتهم، ليحفظ صفاء القلوب ويدرأ الخلافات الناشئة عن التسرع وتتبع الزلات.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
من الآيات التي تستوقف المتدبر في سورة طه قول الله تعالى لموسى عليه السلام:
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 83].
والعجيب أن الله سبحانه يعلم سبب استعجال موسى، ويعلم ما حدث لبني إسرائيل من بعده، ومع ذلك لم يبدأ الحديث بالتوبيخ، ولم يواجهه باللوم، وإنما بدأ بسؤال هادئ يفتح باب البيان.
وهنا يلفت القرآن أنظارنا إلى أدب رفيع في التعامل مع الناس؛ فليس المقصود دائمًا أن نُسارع إلى المحاسبة، بل أن نفهم أولًا الدافع الذي حمل الإنسان على فعله.
فكم من تصرف بدا في ظاهره خطأ، وكان وراءه قصد حسن، أو اجتهاد لم يوفق صاحبه فيه، أو ظرف لم نكن نعلمه.
ولهذا كان السؤال الهادئ أقرب إلى إصلاح النفوس من الاتهام المباشر؛ لأنه يمنح صاحبه فرصة ليبين، ويزيل سوء الفهم، ويعيد الأمور إلى نصابها.
ومن هنا يتجلى خلق التغافل في أبهى صوره؛ فالتغافل ليس أن نتجاهل الحق، ولا أن نرضى بالخطأ، وإنما أن نترفع عن تتبع الزلات، وأن نعطي الناس مساحة يُسمَع فيها عذرهم قبل أن نصدر أحكامنا عليهم.
ولذلك كانت كثير من الخلافات لا تبدأ من الخطأ نفسه، وإنما من التسرع في تفسيره، وسوء الظن بصاحبه، وإغلاق باب الحوار قبل أن يُفتح.
وفي حياتنا اليومية نحن أحوج ما نكون إلى هذا الأدب؛ بين الزوجين، وبين الآباء والأبناء، وبين الإخوة والأصدقاء، وفي بيئات العمل والدعوة. فليس كل كلمة تستحق وقفة، وليس كل هفوة تحتاج إلى عتاب، وليس كل تقصير يعالج بالمواجهة.
إن بعض العلاقات يحفظها الله بعد فضله بحسن الظن، وسعة الصدر، وجميل التغافل.
وهذا لا يعني ترك النصيحة، وإنما يعني أن تكون النصيحة في وقتها، وبأسلوبها، وبقدرها، لأن المقصود إصلاح القلوب، لا الانتصار للنفس.
ولعل من أجمل ما نتعلمه من هذه الآية أن نسأل قبل أن نحكم، وأن نفهم قبل أن نلوم، وأن نلتمس العذر قبل أن نُكثر العتاب.
ختامًا
لو جعل كل واحد منا هذا السؤال القرآني منهجًا في حياته، لتغيرت كثير من علاقاته. فبدل أن يقول: لماذا فعلت هذا؟ يسأل: ما الذي حملك على هذا؟ وكم من خصومة انتهت قبل أن تبدأ، وكم من قلب بقي عامرًا بالمودة، لأن صاحبه اختار السؤال قبل العتاب، والرفق قبل الشدة، والتغافل الجميل قبل تتبع الزلات.