سورة ق… قبل أن يُكشف الغطاء
سورة ق تهدم مسافة الغفلة التي تجعل الإنسان يستبعد لقاء ربه، داعيةً القلب إلى الإبصار بآيات الكون والخشية بالغيب قبل أن ينكشف الغطاء وتزول فرصة الاختيار.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
قال الله تعالى:
﴿ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1].
قد يعرف الإنسان أن الموت حق، والبعث حق، والحساب حق، ثم يعيش وكأن كل ذلك بعيد.
فالغفلة ليست دائمًا أن تجهل الحقيقة؛ قد تعرفها، ولكنك لا تمنحها وزنها في حياتك. تؤجل التوبة، وتطلق الكلمة، وتظلم، وتؤخر رد الحقوق، وتبني قراراتك وكأن الموعد لن يأتي قريبًا.
وهذه هي المسافة التي تهدمها سورة ق.
قالوا:
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: 3].
استبعدوا الرجوع بعدما يصير الجسد ترابًا، فجاء الجواب:
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: 4].
ما يراه الإنسان تفرقًا وضياعًا في الأرض لا يضيع من علم الله شيء منه.
لكن السورة تكشف أن المشكلة ليست دائمًا نقص الدليل:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: 5].
الحق جاءهم.
وحين استبعدوا البعث لم تدخل السورة معهم في جدل طويل، بل رفعت أبصارهم:
استبعدت؟
فانظر.
انظر إلى السماء فوقك، وإلى الأرض تحتك، وإلى الرواسي والنبات، ثم إلى الماء ينزل على الأرض الميتة:
ثم:
﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: 11].
أرض ميتة تعود إليها الحياة أمام عينيك، ثم تستبعد الخروج؟
لكن ليست العبرة أن تمر هذه المشاهد أمام بصرك؛ بل أن تتحول إلى:
﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 8].
فالكون مليء بالآيات، ولكن القلب هو الذي يحدد ماذا تصنع فيه الآية.
ثم تفتح السورة صفحات التاريخ: قوم نوح، وأصحاب الرس، وثمود، وعاد، وفرعون، وإخوان لوط، وأصحاب الأيكة، وقوم تبع:
﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: 14].
فالسماء تذكّر.
والأرض تذكّر.
وإحياء الأرض يذكّر.
والتاريخ يذكّر.
ثم يأتي السؤال الذي يهدم أصل الاستبعاد:
﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: 15].
المشكلة ليست عجزًا في القدرة، بل لبسًا عند الإنسان.
ثم تنتقل السورة من الكون الواسع والتاريخ البعيد إلى داخل الإنسان نفسه:
ما لم يسمعه أحد منك معلوم.
ثم تخرج الكلمة:
﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
وبعد أن ضبطت سورة الحجرات اللسان في علاقته بالناس، تأتي سورة ق فتضع الكلمة في أفق الحساب.
فزن الكلمة قبل أن تلفظها.
ثم، بلا مقدمات طويلة:
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19].
وهنا ينبغي أن نتوقف عند كلمة تكررت في مواضع حاسمة من السورة.
في البداية:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق: 5].
ثم:
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: 19].
ثم قرب النهاية:
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ [ق: 42].
جاء الحق أولًا خبرًا وبلاغًا يستطيع الإنسان أن يؤمن به أو يعرض عنه.
ثم يأتي الموت بالحق.
ثم تأتي الصيحة بالحق.
فالحق الذي تستطيع اليوم أن تستجيب له إيمانًا، سيأتي يوم يصبح واقعًا لا تستطيع دفعه.
ثم تكشف السورة الداء:
هنا انكشف الغطاء.
ما أخبر به الوحي في الدنيا صار معاينة.
لكن المشكلة أن زمن الاختيار قد مضى.
ولهذا قالت السورة في الدنيا:
وقالت:
﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾ [ق: 8].
ثم في ذلك اليوم:
﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22].
أبصر بالآية قبل أن تبصر بالمعاينة.
ثم ينتهي زمن الأعذار والخصومة:
فالوعيد لم يأت بعد إخفاء الطريق.
بل قُدِّم في زمن كان الإنسان يستطيع فيه أن يسمع ويختار ويعود.
ثم تعرض السورة طرفي المصير:
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 30].
وفي الجهة الأخرى:
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: 31].
وهنا تعود الكلمة التي قالها المكذب في البداية:
﴿ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: 3].
لكن الجنة:
والمنادي ينادي:
﴿مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: 41].
أما البعيد حقًا:
﴿وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق: 27].
لم تكن المشكلة في بُعد الموعد، بل في بُعد القلب عنه.
ومن الذين أُزلفت لهم الجنة؟
وفي أول السورة كانت آيات الكون:
﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 8].
فالذي أناب حين رأى الآيات، جاء يوم اللقاء:
والأجمل أنه:
﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق: 33].
استجاب قبل أن يُكشف الغطاء.
آمن حين كان المطلوب إيمانًا بالغيب، وخشي قبل أن يتحول الغيب إلى معاينة.
فالسؤال ليس: هل سترى؟
سيأتي يوم تنكشف فيه الحقائق.
السؤال: ماذا صنعت قبل أن ترى؟
ثم تقول السورة:
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37].
قلب حاضر.
وسمع مُلقى.
وصاحبه شهيد غير غائب.
وفي الجهة الأخرى:
﴿كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا﴾ [ق: 22].
فإما حضور في زمن الاختيار، وإما انكشاف بعد انتهاء زمن العمل.
ثم:
في الدنيا:
﴿أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37].
ثم:
﴿وَاسْتَمِعْ﴾.
وفي الآخرة:
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾ [ق: 42].
هناك سماع تستطيع اليوم أن تختار أثره، وسماع سيأتي يوم لا تستطيع أن تختار وقوعه.
فاسمع اليوم قبل أن تسمع غدًا.
ثم تعود السورة إلى السؤال الأول:
قالوا:
﴿ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: 3].
فجاء الجواب:
﴿ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: 44].
بعيد في تقدير الإنسان.
يسير على الله.
ولكن سورة ق لا تأخذ المؤمن إلى الآخرة ليهرب من الدنيا، بل تعيده إليها أثبت قلبًا وأوضح طريقًا.
بعد كل ما عرضته من تكذيب وموت وبعث وحساب، يقول الله لنبيه ﷺ:
﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [ق: 39].
اصبر.
وسبح.
ثم في ختام السورة:
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [ق: 45].
فإذا آذاك قولهم، فهو ليس غائبًا عن علم الله.
ولا تجعل الخصومة تستنزفك عن مهمتك:
﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45].
ثلاثة أفعال تصنع طريق الثبات:
فاصبر.
وسبّح.
وذكّر.
وهكذا تعود السورة إلى حيث بدأت.
بدأت:
﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1].
وانتهت:
﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ [ق: 45].
أخذتك إلى السماء والأرض، وإلى الأمم التي مضت، وإلى ما توسوس به النفس وما يلفظه اللسان، ثم إلى سكرة الموت والنفخ في الصور والحشر والجنة والنار، ثم أعادتك إلى هذه اللحظة وأنت ما زلت حيًا، ووضعت القرآن بين يديك.
فالغطاء لم يُكشف بعد.
والصيحة لم تُسمع بعد.
والأرض لم تتشقق عنك بعد.
وما زال أمامك وقت أن تنيب، وأن ترد حقًا، وأن تزن كلمة، وأن تصلح عملًا، وأن تخشى الرحمن بالغيب.
ختامًا،
لا تنتظر أن يُكشف الغطاء حتى ترى ما كان القرآن يريك إياه وأنت قادر على الاختيار.
أبصر بالآية قبل أن تبصر بالمعاينة، وألق السمع اليوم قبل أن يأتي يوم يسمع فيه الجميع الصيحة بالحق.
فالوعيد الذي سيقال يومها:
﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: 28]
هو نفسه الذي يطرق قلبك اليوم: