سنن التنزيل
مقال

من الغاية إلى التمكين… حين تُبنى الوسائل لخدمة الرسالة

  • 3 دقائق للقراءة
  • 11 آيةً

طريق التمكين يبدأ بتصحيح الغايات وتهيئة الإنسان لحمل الرسالة، فبركة الوسائل لا تأتي من كثرة الإمكانات بل من سلامة المقاصد كما تعلمنا سورة طه.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

(سورة طه نموذجًا)

لقد اعتدنا أن نقرأ القرآن بحثًا عن الأحكام، أو القصص، أو المواعظ، غير أن القرآن أوسع من ذلك؛ فهو يكشف لنا سننًا ربانية تحكم حركة الإنسان والأمم، وتبين كيف تُبنى الحضارات، وكيف يُصنع التمكين.

ومن هنا تأتي سلسلة “سنن التنزيل”؛ لنقف مع الآيات لا عند حدود أحداثها، بل عند القوانين الإلهية التي تتكرر في حياة الأفراد والمجتمعات.

اسم السورة وعلاقته بالمضمون

افتتحت سورة طه بالحروف المقطعة:

﴿طه﴾

ثم جاء خطابها كله في سياق تثبيت النبي ﷺ، وبيان طريق حمل الرسالة، من خلال قصة موسى عليه السلام؛ وكأن السورة تقول: إن طريق الدعوة والإصلاح لا يبدأ بمواجهة الخارج، بل ببناء الداخل، ولا يبدأ بالتمكين، بل بإعداد من يحمل أمانته.

فسورة طه هي سورة الإعداد قبل الإنجاز، والتربية قبل التمكين، وتصحيح المقصد قبل صناعة الوسيلة.

وفي قلب هذا البناء تعرض السورة دعاء موسى عليه السلام قبل أعظم مواجهة بين الحق والباطل، لتكشف سنة عظيمة من سنن الله:

أن أصحاب الرسالات لا يبدأون بطلب النتائج، بل بطلب الأهلية التي تجعلهم قادرين على حملها.

سنة التنزيل الأولى: الوسائل لا تُطلب لذاتها

حين وقف موسى عليه السلام أمام التكليف العظيم قال:

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ۝ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ۝ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ۝ يَفْقَهُوا قَوْلِي ۝ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ۝ هَارُونَ أَخِي ۝ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ۝ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: 25–32].

قد يبدو لأول وهلة أن موسى عليه السلام يطلب أدوات القيادة:

شرح الصدر، وتيسير الأمر، وقوة البيان، والمعين الصالح.

لكن القرآن يكشف الغاية الحقيقية التي من أجلها طلب هذه الوسائل:

﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ۝ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: 33–34].

فهنا يعيد القرآن ترتيب المفاهيم.

فشرح الصدر ليس غاية مستقلة.

والقوة ليست غاية مستقلة.

والبيان ليس غاية مستقلة.

والقيادة ليست غاية مستقلة.

بل كلها وسائل إذا ارتبطت بالله أصبحت أبوابًا للعبودية، وإذا انفصلت عن غايتها تحولت إلى أسباب للغرور والفساد.

وهذه سنة عظيمة:

أن الله لا ينظر إلى حجم الوسيلة فقط، بل إلى الغاية التي تُستخدم من أجلها.

سنة التنزيل الثانية: إعداد الإنسان قبل إنجاز المهمة

ومن أعظم ما يكشفه دعاء موسى عليه السلام أنه لم يبدأ بطلب إسقاط فرعون، ولم يبدأ بطلب النصر، ولم يسأل عن نهاية المواجهة.

بل بدأ بنفسه:

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: 25].

فالمعركة الكبرى لم تكن مع فرعون وحده، بل كانت مع ثقل الأمانة التي تحتاج قلبًا قادرًا على حملها.

وهنا تظهر سنة قرآنية متكررة:

أن الله يُعِدُّ الرجال قبل أن يحقق بهم الإنجازات.

فيوسف عليه السلام أُعد في الجب والسجن قبل أن يُمكّن في الأرض.

ومحمد ﷺ أُعد في مكة قبل أن يدخل فاتحًا إلى المدينة ومكة.

وموسى عليه السلام أُعد في سنوات التربية قبل أن يقف أمام فرعون.

فالتمكين لا يبدأ من الخارج، وإنما يبدأ من القلب.

سنة التنزيل الثالثة: صلاح الغاية يجلب بركة الوسيلة

ومن لطائف الآيات أن الله لم يجب موسى عليه السلام جوابًا مفصلًا على كل طلب، وإنما جاء الجواب جامعًا:

﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 36].

وكأن الله يقرر قاعدة:

إذا صحت الغاية، واستقام القلب، وجّه الله الوسائل وبارك فيها.

فليست المشكلة دائمًا في نقص الإمكانات، فقد يمتلك الإنسان كثيرًا من الأسباب ولا ينتج أثرًا؛ لأن البركة لا تأتي من كثرة الوسائل، وإنما من سلامة المقصد.

ولهذا قد تملك أمة المال فلا تنهض.

وقد تملك القوة فلا تنتصر.

وقد تملك المعرفة فلا تهتدي.

إذا فقدت الغاية التي تمنح هذه الوسائل معناها وبركتها.

الأمة بين الوسائل والغايات

وهذه السنة من أكثر ما تحتاجه الأمة في زماننا.

فلا شك أن بناء القوة، وتطوير الاقتصاد، وإتقان العلم، وصناعة الإعلام، والأخذ بأسباب الحضارة، كلها من المطالب المشروعة.

لكن الخطر يبدأ حين تصبح الوسائل هي المشروع، ويغيب السؤال الأكبر:

لماذا نريد القوة؟

ولمن نريد التقدم؟

وما الغاية التي نريد أن تخدمها هذه الإمكانات؟

فالأنبياء لم يرفضوا الأسباب، بل أخذوا بها، لكنهم لم يجعلوها معبودًا في القلوب.

أخذوا بالأسباب، واعتمدوا على رب الأسباب.

ختامًا

تعلمنا سورة طه أن طريق التمكين لا يبدأ بكثرة الأدوات، بل بصحة المقاصد.

فالله لا يمنح الأمانة لمن يطلب القوة لذاتها، وإنما لمن يجعل القوة طريقًا للعبودية وإقامة الحق.

ولهذا قبل أن تسأل عن إمكاناتك، اسأل عن غايتك.

وقبل أن تبحث عن الوسيلة، راجع المقصد.

فإذا صلحت الغاية، أصلح الله الطريق.

وإذا تعلق القلب بالله، سخّر الله له الأسباب.

📖 من سنن التنزيل:

إذا كانت الغاية هي الله، بارك الله في الوسائل، وهيأ صاحبها لحمل الأمانة، ثم فتح له أبواب التمكين. أما إذا تحولت الوسائل إلى غايات، نزعت منها البركة، ولو كثرت بين أيدي أصحابها.

شارك المقال